منحرفون يستغلون الهاتف النقال لتخريب بيوت الجزائريين
يتسلّون بسب الأشخاص وشتمهم، بل ويهددونهم بالقتل ويبتزونهم، إنهم أشخاص حولوا الهواتف النقالة من وسيلة للتواصل وقضاء الحاجات، إلى أداة للتسلية وإزعاج المواطنين والمؤسسات. ويحتار الضحايا في مسألة تقديم شكوى من عدمه إذا ورد الاتصال من رقم خفي، أو هاتف عمومي بالشارع. لكن ما يجهله كثيرون أن مصالح الأمن وبالتعاون مع شركات الهاتف تتعرف على المتصل في ثوان، مهما حصّن نفسه وأخفى هويته. اذن ما على المتضررين الا تقديم الشكاوي لقطع دابر المهوسين المتخفين، الذين يصنفهم الأخصائيون ضمن فئة المرضى نفسيا الناقمين على المجتمع.
في ظاهرة غريبة وعجيبة، يتلذذ بعض المواطنين بإزعاج غيرهم، عبر الاتصال بهم هاتفيا وإسماعهم شتى أنواع السب والشتم والتهديد، أو يتقمصون صفة فاعلي الخير ويسمعون ضحيتهم أكاذيب تكون كافية لتخريب بيوتهم. ويصطاد هؤلاء “المهوسون” أرقام ضحاياهم من الإعلانات المنشورة في الجرائد، أو عبر الإنترنت، أو يسرقون الأرقام من هواتف أصدقائهم. وعالجت المحاكم الكثير من قضايا التهديد عبر الهواتف، والتي كان غرض المتهمين فيها مجرد التسلية لا غير، فوجدوا “التسلية الحقيقية” في السجون.
كهل يتسلى بشتم زوجة إطار وشاب استغل اتصالا خاطئا للابتزاز
نبدأها بقضية عالجها مؤخرا مجلس قضاء الجزائر، وتتلخص وقائعها في أن عاملا بسيطا بمؤسسة عمومية بالعاصمة، وبينما كان يسير في الشارع، عثر على شريحة هاتفية، وأثناء وقت فراغه أدخل الشريحة بهاتفه واتصل بأول رقم ظهر له، وتشاء الصدف أن تكون المتحدثة زوجة القائم بالأعمال في السفارة الإسبانية بالجزائر. المتهم لم يتردد في معاكستها وطلبها للخروج رغم علمه بهويتها، كما كان يرسل لها رسائل نصية وهذا لمدة 10 أيام، وعندما لم تعره المرأة اهتماما صار يهددها بالقتل ويدّعي علمه بمكان إقامتها، وبأنها لن تتخلص منه أبدا، وهو ما جعلها تعلم زوجها، الأخير أبلغ مصالح الأمن، والغريب أن الفاعل الذي ألقي عليه القبض، تنصل كلية من فعلته مصرحا بأنه يجهل القراءة والكتابة، ومع ذلك أدين بالسجن. وقصة غريبة أخرى عُرضت على المحكمة نفسها، ضحيتها مواطن كان بصدد الاتصال برقم شقيقته للاطمئنان على صحة زوجها المريض، ولأنه أخطأ في تشكيل الرقم رد عليه رجل غريب، فاعتذر منه المواطن وقطع الاتصال، لكن الشخص المدعو (خ. م) عاود الاتصال بالمواطن وادعى بأنه يعمل شرطيا بولاية الشلف، ويريد التعرف عليه ليكونا صديقين، الضحية رحّب بالأمر، لكنه تفاجأ بعد فترة بذلك الشرطي المزيف يتصل به وعبر رقم ظاهر، ليمطره بوابل من السب لم تسلم منه حتى والدته المسنة!! كما هدده بالقتل إذا لم يمنحه مبلغ 200 مليون سنتيم، الضحية قدم شكوى لمصالح الأمن التي ألقت القبض على الفاعل ووجهت له تهمة السب والتهديد، لكنه يوم محاكمته أنكر ما نسب اليه، مصرحا بتضييعه شريحة هاتفه منذ زمن.
ينتحلون مزحا صفة الإرهاب للحصول على الأموال
ومزعجون آخرون أوصلهم “مزاحهم الثقيل” إلى محاكم الجنايات، أو كما يسميها العامة “الشرع الأحمر”، ووجهت لهم تهم خطيرة من الانخراط والإشادة بالإرهاب، نبدأها بحكاية عالجتها محكمة جنايات العاصمة، بطلها مراهق يدعى (ل. أ) من الحراش في 19 من عمره، شرب الخمر يوم الواقعة حتى الثمالة، فأوحى له خياله بالاتصال عبر رقمه بإحدى شركات الهاتف النقال، واستقبل المكالمة موظف بالمؤسسة، المراهق “المازح” ادعى للموظف أنه ينتمي لجماعة إرهابية، ويريد مبلغ 20 مليون سنتيم أو المساعدة للالتحاق بالشيشان لغرض الجهاد، وإلا سيتعرض مقر الشركة للتفجير، والغريب أن الشاب ذكر اسمه وعنوانه بالكامل، مسؤولو الشركة أودعوا شكوى، وأحيل الفاعل على المحكمة وواجه حكما يصل الى خمس سنوات سجنا نافذا.
وشرطي صدمته مزحته التي أوصلته للمحكمة، وقصته بدأت من داخل ثكنة عسكرية، حيث أنه قرر ممازحة صديقيه، فأرسل لهما رسائل نصية عبر هاتفه مضمونها “سنقيم عليكم الحد إذا لم تنسحبوا من سلك الأمن” ووقّعها باسم جماعة ارهابية، الضحيتان أودعا شكوى، ليحال المعني على محكمة الجنايات، غير مصدّق للأمر بعدما اتُهم بالإشادة بالإرهاب، وأصرّ بأنها مجرد مزحة، ومع ذلك تحصل على عقوبة السجن غير النافذ.
وآخرون يجعلون من مآسي الجزائريين مادة للتسلية والترفيه، منهم شاب من الكاليتوس كان في 23 من عمره يوم الحادثة، فالمعني لم تؤثر فيه مشاهد أشلاء الضحايا والدمار الذي خلفه تفجير قصر الحكومة في 11 أفريل، فراح يتسلى أثناءها واتصل بمصالح الأمن مخبرا إياهم عن وجود قنبلة داخل سيارة 307 متوقفة قرب مقر بنك “لاكناب” بالكاليتوس، ثم عاود الاتصال مصرحا بخطأ معلوماته، ومع ذلك قضى 17 يوما بالسجن قبل عرضه على المحاكمة.
يتصلون بالأرقام الهاتفية المدونة بالجرائد والإنترنت ويشتمون أصحابها
أما فئة نستطيع تسميتها “بالمرضى النفسانيين” لأنهم من المهوسين بتسجيل الأرقام الهاتفية المدونة بصفحات الجرائد، أو الإنترنت، ثم يتصلون بأصحابها عبر أرقام مخفية أو ظاهرة لغرض شتمهم!! وهو ما عاشه الشاب (ر. كمال) من العاصمة التقيناه بمحكمة حسين داي، فالمعني يملك دراجتين ناريتين فخمتين كان ينوي بيعهما، فاقترح عليه صديق نشر إعلان بجريدة يومية، وهو ما فعله مدونا رقم هاتفه، وكانت “الطامة الكبرى” حسب تعبيره، فهاتفه لم يتوقف عن الرنين طيلة ثلاثة أيام كاملة ومن جميع ولايات الوطن، لدرجة أن شحن بطاريته نفد، لكن المتصلين غالبيتهم لم يكونوا مشترين، انهم أشخاص غريبون، يقول كمال “يتصلون بي لشتمي وسبي” ومن بعض الجمل التي سمعها عبر هاتفه “أنت باين عندك دراهم ..ولا سرّاق”، “أنا نحلم ببيسيكلات وأنت عندك زوج موطوات”، “أنت مهبول..”، فلم يجد المعني إلا غلق هاتفه رغم حاجته له، وأخيرا بيعت الدراجتين لمتصل من العاصمة بعدما عاش كمال الكوابيس كلما رن هاتفه، والذي غير رقمه لاحقا.
شركات الهاتف النقال تتعرف على المتصلين من أرقام خفية في ثوان
يجد كثير من المواطنين أنفسهم في حيرة أمام مثل هذه التصرفات، والتي تتسبب غالبا في رفع ضغطهم، أو تصيبهم بالهستيريا، وتجعلهم ينحدرون لمستوى المتصلين ويبادلونهم السب والشتم، علهم ينفسون عن غضبهم، خاصة اذا كان الرقم مخفيا، لكن الحل الأمثل هو إيداع شكوى لمصالح الأمن، فحسبما علمناه من مصدر موثوق بإحدى شركات الهاتف النقال، فإنه يمكن كشف هوية المتصلين عبر الأرقام المخفية وبكل سهولة، شرط أن يرد الضحية على المتصل، بمعنى لا يتجاهل المكالمة حتى تتمكن مصالح مؤسسة الهاتف النقال من تسجيل زمن الاتصال، بعدها يجب على المتضرر إيداع شكوى للأمن، وانطلاقا من الشكوى يطلب وكيل الجمهورية من مسؤولي مؤسسة الهاتف النقال التحري عن هوية المتصل.
مختصون في الاجتماع: المتصلون المخفيون يعانون من “فراغ علائقي”
“إنهم أشخاص ناقمون على المجتمع والمحيط” بهذه العبارة عرّف يوسف حنطابلي مختص في علم الاجتماع وأستاذ بجامعة البليدة، المتصلين المخفيين، مضيفا “هم أشخاص يعانون من فراغ علائقي، وهو عقدة إثبات وجودهم في المجتمع، ولا يجدون من يستمع إليهم فيتجهون للمكالمات المجهولة، لمجرد الكلام فقط” فيما هناك فئة من المواطنين، يضيف المتحدث، تحمل سخطا على المجتمع والأشخاص، فيلجأون لاستعمال اتصالات خفية لسب وشتم أشخاص يعرفونهم أو غريبين عنهم، والملفت في كلام المختص الاجتماعي، أن بعضا من هؤلاء الأشخاص يملكون مستوى ثقافيا وعلميا ويشتغلون في مؤسسات محترمة، ومع ذلك يقدمون على شتم زملائهم ورؤسائهم في العمل، ومبررهم هو عدم ارتياحهم في وظيفتهم.