مهنة تسلق النخيل تصارع من أجل البقاء رغم مخاطرها المتعددة
يعد نشاط تسلق النخيل من المهن التي تشتهر بها حصريا المناطق الجنوبية من الوطن لا لشيء سوى لان هذه المناطق تزخر بغابات شاسعة من أشجار النخيل على غرار ولاية بسكرة التي تحصي ما يفوق الأربعة ملايين نخلة مثمرة .هذه الأشجار المباركة تحتاج إلى يد عاملة تسهر على خدمتها والاعتناء بها على مدار فصول السنة ، وهذه المهمة التي توصف بالشاقة والخطيرة هي دوما من اختصاص أشخاص يعرفون بمتسلقي النخيل حيث تدفعهم البطالة والظروف الاجتماعية الصعبة إلى امتهان مثل هذه الأنشطة التي تتسبب سنويا في وفاة البعض وإصابة البعض الأخر بإعاقات خطيرة.
هؤلاء ممن يسمّون بمتسلقي النخيل عددهم قليل جدا لكنهم معروفون لدى الجميع بالشجاعة الكبيرة والإرادة القوية، وهم مطلوبون دوما للخدمة على مدار السنة ووفق ما تحتاج إليه النخلة من خدمات بدءا من قطع الجريد أو ما يعرف بالتحمار ثم التلقيح وتسوية العراجين أو ما يعرف لدى الفلاحين بالتعدال لتليها بعد ذلك مرحلة الجني والبداية بجني التمور اللينة مثل الغرس والمنقر وتكون عادة في منتصف الصيف ثم مرحلة تغليف العراجين من نوع دقلة نور بالأكياس البلاستيكية حماية لها من خطر الأمطار ويكون ذلك بين شهري أوت وسبتمبر، لتكون عملية جني منتوج التمور في الخريف هي المرحلة الأخيرة التي تتطلبها النخلة لتتواصل هذه الأنشطة بهذا الترتيب والتواتر على مدار السنة.
وبالنظر إلى خصوصية هذه الأعمال التي تتم دوما على ارتفاعات قد تتعدى أحيانا عشرات الأمتار فان القيام بها يبقى حكرا على مجموعة متسلقي النخيل فقط والذين قسمهم البعض إلى مجموعتين مجموعة هم في الأصل من أصحاب غابات النخيل وأبنائهم. وهؤلاء أجبروا توارث هذه المهنة بحكم امتلاكهم للنخيل ، فهم مطالبون دوما بالسهر عليها بأنفسهم دون اللجوء إلى مساعدة الآخرين .
أما المجموعة الثانية فأصحابها ينحدرون من فئة الشباب والفئات الفقيرة والمعوزة، وهؤلاء أجبرتهم ظروفهم المعيشية على امتهان هذا النشاط الخطير فرارا من ويلات البطالة وسعيا وراء لقمة العيش في ظل انعدام المصانع والشركات .و في ظل هذه المعطيات لم يجد هؤلاء سوى اللجوء إلى مهنة تسلق النخيل وكأنها أصبحت قدرا محتوما .
وحسب أحد أقدم المتسلقين ببلدية أولاد جلال غربي الولاية فإن الأجر الذي يتقاضاه متسلقو النخيل يختلف حسب نوع العمل والخدمة التي يقدمونها. فبالنسبة لعملية جني التمور عامة فالأجر لا يتعدى 1000 دج لليوم الواحد وبالنسبة للتلقيح الذي يتم على مرحلتين أو أكثر على مستوى النخلة الواحدة فيكون الأجر على هذه المراحل مجتمعة ما بين 100 و200 دج للنخلة الواحدة وفيما يتعلق بنزع الجريد الزائد وكذا تسوية العراجين قبل نضجها فان الأجر لا يتعدى 100 دج للنخلة الواحدة مهما بلغ علوها. وهذا الأجر كما يقول متسلق آخر يعد زهيدا جدا بالنظر إلى عدة عوامل أولها الجهد الكبير الذي يبذله هذا المتسلق في اليوم الواحد فقد يخرج من بيته قبل طلوع الشمس ليعود منهك القوى بعد غروبها هذا فضلا عن المخاطر المتعدد والكبيرة المصاحبة لهكذا نشاط.
فبالإضافة إلى الانعدام الكلي للتأمين لدى هؤلاء المتسلقين فان هذا النشاط يمارس دون وسائل حماية أو أمان ، فباستثناء تجهيزات بسيطة جدا لا تتعدى الحبال والمنجل والمنشار وكذا الحزام الذي يوضع على مستوى الظهر ويسمى محليا “العدة” ، فإن المتسلقين عموما يقومون بعملهم دون أن يضعوا حتى الخوذة على رؤوسهم والنتيجة تكون دوما المجازفة بحياتهم. وحسب الروايات الكثير التي رواها لنا البعض فان عشرات المتسلقين تعرضوا طوال السنوات الماضية للسقوط من أعلى النخيل.
فبعضهم شفي وعاد مجدد لمهنته التي لا يملك عنها بديلا، في حين بقي البعض الأخر إما معاقا حركيا أو أضيف إلى قائمة البطالين بسبب انعدام المؤهلات وغيرها. متسلق شاب تعرض مؤخرا للسقوط من نخلة روى لنا إصابته الخطيرة على مستوى الظهر ألزمته الفراش شهرين بدون أن يساعده أحد.
مثل هذه الحوادث تتكرر كثيرا كل سنة ورغم ذلك فان متسلقي النخيل وجدناهم مصرين على ممارسة هذه المهنة التي لم يجدوا عنها بديلا ولم يجدوا أيضا من يرشدهم إلى كيفية تنظيم صفوفهم حماية لأنفسهم ولمهنتهم من الزوال .
فهذه المهنة التي تصنف من بين أخطر المهن على مستوى المناطق الجنوبية قد تندثر ذات يوم إذا بقي الحال ذاته. فاستفحال مخاطرها وتضاعف عدد ضحاياها سنويا كلها أمور يراها المتسلقون منفرة من هذه المهنة وبدون تدخل عاجل لحماية وتشجيع هؤلاء المتسلقين فان أصحاب النخيل قد يجدون أنفسهم في المستقبل القريب أمام مشكلة انعدام من يساعدهم على التكفل بخدمة غابات نخيلهم التي تدر عليهم بالأرباح الطائلة في حين تتسبب لغيرهم في حوادث مأساوية في كثير من الأحيان.