نساء في خيم الرجال ونوم في مخازن الطعام
خاتمتها لم تكن مسكا، بالنسبة لبعض الحجاج الجزائريين، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين، على إنهاء الأيام الأربعة من رحلة حجّهم إلى منى، في ظروف صعبة اتفق الجميع على أنها مأساوية.
بمجرد دخولنا مركز إقامة الجزائريين تفاجئنا،بتوتر أعصاب إلى درجة دخول حاجين كهلين، أحدهما من شرق البلاد والآخر من غربها في شجار لفظي عنيف،أفقد أحدهما صبره وأخرجه عن إطار الالتزام الديني عندما هدّد بضربه والتوقف عن أداء مناسكه، بسبب الترخيص للشروق اليومي بالتصوير، وهي بداية جعلتنا نكتشف في ثاني أيام تواجدنا في مشعر منى، بقاء بعض الجزئريات دون أماكن لا للنوم ولا للإستراحة بعد أداء شعائرهم ما جعل بعضهن ينمن في مخزن للطعام، وهو مشهد عرضهن للإحراج، بسبب تردد العمال،ولم تستطع سيدة من “وصف” هذا الوضع البائس، سوى أن ترد علينا بإجهاشها بكاء، أما الذين ناموا في أروقة الخيم فعددهم بالعشرات، وفي ساعة متأخرة من أول أمس تدخلت وزارة الحج السعودية، والهلال الأحمر السعودي، لإجلاء جزائريين وجزائريات ناموا في الشارع الرئيسي، وهو طريق سوق العرب الذي شهد حادثة التدافع ،واتخذت السلطات السعودية إجراءات أمنية مشددة لعدم تكرار سيناريو الموسم الماضي.
كثير من الحجاج رفضوا ترك مرافقاتهم، فنقلوهم الى خيم الرجال، فازداد الحرج والتعقيد، عندما التقطنا صورا لخيم مختلطة، لا نرى مثيلا لها حتى في المخيمات الصيفية السياحية.
ما الذي حدث ويحدث؟ سؤال رحنا نبحث عن إجابة عنه، فاكتشفنا احتلال حجاج مصريين للخيم الجزائرية، وصعُب على المشرفين معالجة الوضع، خاصة أن بعض الحجاج من مصر وحتى من الهند، دخلوا في نوم عميق ونقلوا أشياءهم وصارت الخيمة مصرية، سألنا المصريين فتمسكوا بالجانب الإنساني في الموضوع عندما قالوا: “نحن من جئنا أولا وهل تريدونا أن ننام في الشارع؟”، وسألنا الجانب الجزائري، فكان الرد تسويفي كالعادة: “سنعالج المشكلة في الساعات القادمة” بالرغم من أن الساعات القادمة ستكون للعودة إلى مكة.
ولأول مرة، نجد صعوبة في توقيف تدفق المحتجين الذين أرادوا الحديث مع “الشروق” بأي ثمن، وهم في ثورة، فقال أحدهم: ” نحن في رحلة حج لمن استطاع إليه سبيلا، ولسنا هنا للسياحة، لكن أن نتواجد بهذا الشكل، مثل الغنم في خيمة لا يزيد طول الواحدة منها عن ثمانية أمتار وعرض خمسة أمتار، ويتكدس فيها 12 حاجا فالأمر لا يطاق” ليقاطعه آخر: “نساء جزائريات بعضهن معوّقات ينمن في مخزن للطعام، يستعمله العمال الآسيويين، ولا مُعتصم لهم؟”، وتجرنا سيدة بالقوة إلى رواق آخر، لترينا حالة عجوز معوقة في الثمانين، من شدة التيهان داخل مركز إيواء الجزائريين، لم تعد تعلم أين هي أصلا.
بعض الحجاج اعترفوا بأن وضعهم أحسن بكثير، من أوضاع الحجيج الآخرين، خاصة حجاج شمال إفريقيا من مغاربة وتونسيين ومصريين، ولكن نقص التنظيم جعلنا في هذا الوضع، فمن غير المعقول أن يقتحم المصريون خيامنا مثلا في غياب كامل لمن يمنعهم.
الذين قضوا أيامهم من دون طعام والذين افتقدوا النوم منذ أن تنقلوا من عرفات إلى منى، بالمئات، ضمن البعثة الجزائرية التي احتلت هذا العام المرتبة الثامنة كمّا ضمن حجاج بيت الله الحرام.
حالات التيهان في رحلة رمي الجمرات،كانت كثيرة فلم يجد الحجاج مرافقين لهم فذهب الكثير منهم، ولم يعد، وعمل بعض الحجاج مرشدين بدلا عن المرشدين الرسميين، وراحوا يبحثون عن الضائعين ويردوهم إلى خيمهم، وقليلون قالوا بأن ظروف الحج في مرحلة منى كانت دائما صعبة ويستحيل تنظيمها.
الشروق ترافق الحجاج الجزائريين في رمي الجمرات
حجاج قطعوا ثلاثة كيلومترات تحت خمسين درجة
كل سحابات الخوف، التي خيّمت على بعض الحجاج الجزائريين، قبل جولة رمي الجمرات، تلاشت، وتحوّلت في أول أيام عيد الأضحى المبارك، إلى تكبير وتهليل وبهجة،بعد أن مرّت هذه الجولة بسلام دون زحام ومشاكل، رغم الحرارة، في أول أيام العيد في منى، التي بلغت 46 درجة، ما أجبر غالبية الحجاج على قطع ثلاثة كيلومترات ذهابا وإيابا من مخيمات الحجاج الجزائريين إلى مكان رمي الجمرات، تحت أشعة شمس حارقة، وهو ما جعلنا خلال رحلة الاستطلاع، نلتقي شيوخ يفترشون الأرض، بعضهم سقط بسبب أشعة الشمس وآخرون تاهوا وفقدوا معالم الطريق المؤدي إلى رمي الجمرات، أو في طريق العودة إلى المخيمات.
رحلة الرمي بدأت عند منتصف نهار أمس، ولأن خير البرّ عاجله فقد هرول الكثيرون إلى الطريق المؤدي إلى مشعر الرجم، حتى يرتاحوا، خاصة وأن التاسع من ذي الحجة، كان متعبا جدا في أجواء حرارية صعبة، بين الوقفة والطواف والسعي والانتهاء بالرجم.
حتى الذين سبق لهم أداء فريضة الحج استعصى عليهم تحديد معالم الطريق، بسبب أشغال الطرق الجديدة، ولأن الإجراءات الأمنية كانت صارمة، كان الحجاج ملزمين بالسير في طريق مستقيم يؤدي ذهابا إلى رمي الجمرات من دون العودة عبر نفس المسلك، فوجدوا أنفسهم يقطعون قرابة الثلاث كيلومترات بين الذهاب والإياب مشيا على الأقدام.
سيدة من تلمسان قالت بأن حلم عمرها تحقق، وذهلت للسهولة التي وجدتها إلى درجة أنها في عملية الرمي لم تجد أكثر من مائة حاج، فسارعت إلى مكالمة أهلها في تلمسان قبل الرمي لتبشرهم بالأجواء الآمنة، خاصة أن الطوابق الأربعة إضافة إلى الطابق الأرضي ميزها التواجد القوي لمصالح الجيش السعودي، التي كانت إما تقدم الماء للحجاج، أو تزوّدهم بالخرائط حتى لا يضيعوا،الكثير من الحجاج الجزائريين من البيض ومن خنشلة ومن ميلة، فضلوا البقاء في أماكن الرمي، مدة أطول، بسبب الجو المنعش ونظام التهوية الموجود هناك، بالرغم من أن أفراد الجيش السعودي طلبوا منهم التحرك لمنع وضعيات الزحام المحتملة، ولكن الكثير منهم توقفوا أمام حنفيات الماء الشروب.
وفي رحلة العودة من رمي الجمرات بلغ التعب مداه، وبدأ كبار السن يرفعون راية الاستسلام، كما حدث للحاج نوري من قالمة، الذي بقي مفترشا الأرض مع الكثير من الشيوخ البنغاليين، حتى ظنناه منهم، وأخبرنا بأنه فقد مرافقيه، ولم يعد يميّز حتى ما بين الذهاب والإياب، الشيخ البالغ من العمر ثمانين سنة لم يفهم كيف سار كل هذه المسافة وفي زمن الزوال وهو الذي _ كما قال _ لم يمش منذ خمس سنوات أكثر من مائة متر؟ ثم عاد ليستطرد بقناعة: الله هو الذي نقلني وليست قدماي الضعيفتين.
للأسف طوال هذه المدة والمسار، لم نجد علما جزائريا واحدا يرفرف، إيذانا بتواجد مرشد جزائري، إلى أن بلغنا أحد المحوّلات الطُرقية، التي تؤدي إلى مخيمات أكثر من مليون حاج
وعلى بعد ساعات من نهاية الرجم، الذي سيبلغ مرحلته الأخيرة غدا، في ثالث أيام التشريق، تبدو أحداث الموسم الماضي قد دفنت نهائيا، والموسم يسير لأن يكون الأكثر أمنا في تاريخ مواسم الحج في السنوات الأخيرة.