-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي رثى بن مهيدي وخلد بوحيرد وجمع شعر الثورة الجزائرية

هكذا توسط عثمان سعدي لإعادة البياتي إلى العراق

الشروق أونلاين
  • 8855
  • 0
هكذا توسط عثمان سعدي لإعادة البياتي إلى العراق

الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، هو أحد أهم رواد الشعر الملحمي، في الوطن العربي، من مواليد بغداد عام 1936، عمل لفترة طويلة مستشارا ثقافيا في وزارة الإعلام العراقية، وقال عنه الناقد منذر الجبوري إنه ثالث اثنين ممن تطورت على أيديهما القصيدة الحديثة والشعر الحر، بعد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.

  • كانت للبياتي علاقة روحية جد مميزة مع الثورة الجزائرية وأبطالها، حيث تغنّى بالمجاهدة جميلة بوحيرد في ديوانه “كلمات لا تموت” الصادر عام 1960، أين استعاد في قصيدته “المسيح الذي أعيد صلبه” التي كتبها في دمشق يوم 08 مارس 1958 بطولات المجاهدة الفذة، أكد فيها أن كل ما كتب عن جميلة بوحيرد والثورة الجزائرية لا يعدو أن يكون رياء ونفاقا، وكل ما كتبه أصحابه لا يضاهي نضال البطلة، لكن أصحابه كتبوه ابتغاء الربح والمنة. ويقول إنه “لا يمارس النفاق الشعري ولا السياسي، وليس صعلوكا ينظم الأشعار مزهوا بينما الثوار الجزائريون يموتون في كل يوم مرتين، وبينما جميلة تنزف دماء ودموعا في سجنها، ويقر أن المنابر التي طرد منها لأنه صدح بالحقيقة، لذا فمن الصعب نظم قصيدة عن نضال الشعب الجزائر يبتغى من ورائها الرياء والنفاق السياسي والشعري، يقول في مطلع قصيدته:
  • قالوه كذبٌ وهُراءْ
  • اللصوص، الشعراء
  • الحواة الأغبياء
  • إنني أحسست بالعار لدى كلّ قصيدهْ
  • نظموها فيكِ
  • يا أختي الشهيدهْ
  • وأنا لست بصعلوك منافقْ
  • ينظم الأشعار مزهوا
  • وأعواد المشانقْ
  • لأخي الإنسان بالمرصادِ
  • أعواد المشانقْ.
  • ويرجع الفضل لعبد الوهاب البياتي في جمع وتوظيب ما كتب عن الثورة الجزائرية من طرف الشعراء العراقيين، وكانت الحصيلة 255 قصيدة قالها 107 شاعرا وشاعرة من العراق من عشرين مدينة وقرية عراقية، وطبع الديوان في بغداد، وطبع طبعتين في الجزائر تحت عنوان “الثورة الجزائرية في الشعر العراقي” في مجلدين. كما كتب البياتي بقلمه أشعارا عدة في الثورة الجزائرية، ذكر بعضها الدكتور عثمان سعدي، سفير الجزائر الأسبق في العراق، في شهادة موثقة ومنشورة على الانترنيت من ضمنها قصيدة “الموت في الظهيرة” التي رثى فيها البياتي أحد قادة الثورة الكبار وهو الشهيد العربي بن المهيدي وهذا مقطع منها:
  • قمر أسود في نافذة السجن، وليلٌ
  • وحمامات وقرانٌ وطفلُ
  • أخضر العينين يتلو
  • سورة النصرِ، وفُلٌّ 
  • من حقول النور، من أفق جديدِ
  • قطفته يد قديس شهيدِ
  • يد قديس وثائرْ
  • ولدته في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ.
  • وفي قصيدة أخرى عنوانها “أغنية انتصار” يتعرض فيها للشاعر الفرنسي إيلوار ويعتبر حكام فرنسا قد خانوا معاني شعره الإنساني في حربهم في الجزائر، يقول فيها:
  • باسم أبطالكِ يا خيمةَ إفريقيا ـ النجومْ
  • والأقاحي والكُرومْ
  • والعصافيرِ الصغيرهْ
  • والهوى والأرضِ والإنسانِ ـ يا شمسَ الظهيرة
  • باسمِهمْ غنيتُ، غَنّوا للسلاحِ
  • للعيون المغربيَّهْ
  • في الخيام الغربيَّهْ
  • تتحدّى الموتَ في (أوراسَ) في ليلِ الجراحِ
  • باسمهم غنيتُ، غنوا للصباحِ
  • وشربت الخمرَ من عينيكِِ
  • يا حسرةَ ميلادِ قصيدهْ
  • في ليالي شاعرٍ حزَّ وريدَهْ
  • في حديد السجنِ، في (وهرانَ)
  • في أعماقِ وهرانَ البعيدهْ
  • في أماسيها الكئيبهْ
  • يا دمًا سال على أبيات (إيلوارْ) الحبيبهْ
  • شاعرِ الحبّ الذي بالأمس عنّى في الطريقِ
  • للنجومِ الزُّرقِ، للأطفالِ:
  • “إيلوارُ صديقي”
  • إنهم أعداؤه الفاشست عادوا من جديدِ
  • يصنعونَ الليلَ والمأساةَ في الفجر الوليدِ
  • لكِ يا نافذةً في ليل إفريقيا “للسلامِ”
  • ولكِ النصرُ
  • وللفاشستِ”الموتُ الزؤامْ”.
  • وفي ذات الشهادة التي قدمها سفير الجزائر الأسبق في العراق والمنشورة على الأنترنت يقول: “أثناء عملي كمستشار للسفارة الجزائرية بالقاهرة بين 1968 و1971 كانت لي علاقة وطيدة مع الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي في منفاه بالقاهرة، وعند تعييني سفيرا في العراق، زارني البياتي للسفارة وقال لي: “لي رجاء عندك أن تتوسط لي لدى حكام العراق للسماح لي بالعودة إلى بغداد، فقد تعبت من المنفى واشتقت لدجلة والفرات”، ووعدته أن أبذل كل ما أستطيع من أجل تحقيق هذه الرغبة. وصلت بغداد في تموز يوليو 1971 وبعد تقديمي لأوراق اعتمادي للرئيس أحمد حسن البكر، قابلت الفريق الأديب صالح مهدي عماش نائب رئيس الجمهورية، ونقلت له رغبة عبد الوهاب البياتي وطلبت منه بإلحاح أن يلبّي طلبه. فقال لي ضاحكا: “سأعمل على تلبية رغبته رغم أنه هو القائل فينا نحن البعثيين: سنجعل من جماجمهم منافض للسجاير.. أخبره أن يعد نفسه للعودة”. واتصلت بالبياتي في القاهرة وبشرته بالاستجابة.
  • وبعد أسبوع اتصل بي عماش وأخبرني أن أمرا صدر لسفارة العراق بالقاهرة بمنح جواز سفر له وبطاقة سفر للعودة. وشكرته على جهده النبيل. وعاد البياتي للعراق وزارني للسفارة وشكرني وهو متأثر، ورويت له موقف عماش وبيت الشعر الذي أنشده، فقال لي: “انتهت تلك المرحلة”، ونصحته أن يزور عماش، ثم عيّن مستشارا ثقافيا في مدريد، خلاصة القول أن الفضل لعودة البياتي للعراق يعود لمهدي عماش.
  • لم تكن علاقة عبد الوهاب البياتي بالجزائر مثل غيرها من الدول العربية، حيث كان شغوفا بالجزائر وثورتها وله علاقات وطيدة مع مثقفي الجزائر، وكان صوته قويا في وسائل الإعلام الجزائرية. في 1978 زار الجزائر، فأخذ بجمالها وسحر طبيعتها، حيث يذكر الدكتور أحمد حمدي الذي رافق الشاعر في بعض جولاته بالعاصمة، أنه كان يقضي ليله ماشيا على الطريق الرابط بين حديقة صوفيا إلى غاية ساحة الشهداء على امتداد كورنيش العاصمة، كان يقضي ليله بطوله وهو يذرع الطريق ذهابا وإيابا، ولما كان يسأل لماذا “يا أبا علي لا تذهب إلى النوم” كان يقول: “النوم أعوضه في مكان آخر، لكن جمال الجزائر لن أجده في أي مكان آخر”. ومن بين المناطق التي أثارت إعجاب الشاعر، عاصمة الغرب الجزائري وهران، التي يقول أحمد حمدي إن البياتي وجد فيها بعضا من الشبه بالمدن الإسبانية التي عاش بها لفترة فكان يقول لهم “في وهران بعض من رائحة الأندلس” .
  • وعن هذه الزيارة يقول الأستاذ عبد العالي رزاقي إن مجيء عبد الوهاب البياتي إلى الجزائر صادف طرد مجموعة من الصحافيين من جريدة الشعب وتغيير مواقع صحافيين آخرين، يضيف “حضور البياتي في الإعلام كان قويا، وقد أجريت معه عدة حوارات ولقاءات صحفية من بينها واحد رفضت الشعب نشره، فقمت بنشر الحوار مترجما إلى الفرنسية في المجاهد بترجمة صالح بشير، فسألني عبد الوهاب البياتي لماذا لم أنشر الحوار بالعربية، ولما شرحت له الأمر قال لي ضاحكا: مستعد أن أعطيك حوارا لينشر في الصفحة الرياضية حتى لا يتم فصلك من عملك”، وكنت قد حولت حينها إلا القسم الرياضي.
  • وفي نفس السياق، يروي رزاقي بعض المواقف التي يحتفظ بها مع الشاعر الكبير، يقول إنه أثناء زيارته رافقه إلى مقر المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع “لاسناد” سابقا قصد أخذ مستحقات ديوانه “الحب في درجة الصفر”، وكان المبلغ زهيدا “100 دينارا” فتعجب البياتي من الأمر وقال لرزاقي سأعطيك 100 دولار، لكن لا تأخذ هذا المبلغ الزهيد جدا الذي يقبل مقابل أي شيء إلا الشعر.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!