-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هكذا تُحوِّل توبتك من “إعلان” إلى “حياة”

سلطان بركاني
  • 315
  • 0
هكذا تُحوِّل توبتك من “إعلان” إلى “حياة”

من الحقائق التي ينبغي لها أن تستقرّ في الأذهان، أنّ العليّ الأعلى –سبحانه- غنيّ عنّا وعن توبتنا، وأنّ البشرية كلّها لو أعلنت التمرّد على دين الله وعلى شرعه، ما ضرّ ذلك الغنيَّ –تقدّست أسماؤه- وما أنقص ذلك من ملكه شيئا، ففي الحديث القدسيّ أنّ الله يقول: “يا عبادي إنَّكم لن تبلُغوا ضرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفَعوني. يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منْكم ما زادَ ذلِكَ في مُلْكي شيئًا، يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكُم ما نقصَ ذلِكَ من مُلْكي شيئًا”… إنّنا لن نجني إلا على أنفسنا إن نحن أصررنا على حسن الظنّ بأنفسنا، ولن نحصد إلا الخسارة إن نحن أعلنّا التوبة بألسنتنا ثمّ بقينا مصرّين على ذات السيرة وذات السّريرة في واقعنا!

ينبغي لنا أن نوطّن أنفسنا على أنّ توبتنا إلى الله هي خير ومصلحة لنا في الدّنيا والآخرة، ثمّ نذكّرها بأنّ الكريم –سبحانه- مع غناه عنّا، يفرح بتوبتنا ويفرح عندما نصلح أحوالنا، ويباهي بنا ملائكته الكرام في الملأ الأعلى، وفوق ذلك يحبّنا بعد توبتنا!

ربّما يقضي العبد سنوات من عمره يعصي خالقه ويضيّع حقّه، ثمّ في لحظة واحدة يتوب إلى مولاه بصدق ويعقد العزم على عدم العودة إلى الذنوب والغفلة والتقصير، فيغفر الكريم ذنوبه، وليس ذلك فقط بل يبدّلها حسنات، وليس ذلك فحسب بل يحبّه… والعبد إذا فاز بمحبّة مولاه، صلحت دنياه وأخراه، وأصبح وأمسى لا خوف عليه ولا حزن. يقول تعالى في الحديث القدسي: “فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني، لأعيذنه» (رواه البخاري).

لذلك فمن حقّ العبد المؤمن عندما يجد نفسه قد وفق لإعلان التوبة والرّجوع إلى الله، أن يفرح بتوبته، لأنّ التوبة هي المفتاح الذي يفتح أبواب الخيرات والمسرّات على العبد: طمأنينة في النفس، واستكانة في الروح، وفرح وطرب في القلب، وبركة في الوقت والرزق والأهل والولد… ووالله لو جرّبنا فرحة إدامة التوبة النصوح الصادقة وسعادتها، ما انخدعنا بلذّة المعصية الفانية، ولبادرنا بالتوبة بعد كلّ ذنب، ولكانت التوبة جزءًا من يومياتنا كالطّعام والشّراب. يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “لو علم العاصي أن لذة التوبة وفرحتها تزيد على لذة المعصية وفرحتها أضعافاً مضاعفة لبادر إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية”.

لذلك، فليس يجوز لمن فاتته التوبة في أوّل ليلة من رمضان، أن يبأس وييأس، بل الواجب عليه أن يعلن التّوبة في اللحظة التي يتحرّك فيها داعي الخير في نفسه ويشعر فيها بوخز في ضميره. تلك اللحظة التي يعيشها كلّ مسلم بملك بقية من حياة في قلبه، هي منحة ربانية لا تجوز إضاعتها… فمن فاتته التوبة قبل هذا، فليعلن الآن توبته إلى الله من كلّ الذّنوب والمعاصي، وليعقد العزم الآن على أن يفتح صفحة جديدة من حياته.

نعم أخي المؤمن… ربّما لا تزال إلى الآن بعد انقضاء هذه الأيام الأولى من رمضان، تعاني ضيقا في صدرك وظلمة في روحك وقسوة في قلبك… فكفاك مكابرة وأعلن توبتك إلى الله؛ تصالحْ مع مولاك. تصالح مع الصّلاة في المسجد، واعقد العزم على ألا تترك صلاة في بيت الله إلا لعذر. تصالح مع القرآن، واعقد العزم على ألا تغرب شمس يوم إلا ولك حظّ من كتاب الله تلاوة وتدبرا وخشوعا، ولا ينبلج فجر ليلة إلا ولك في تلك الليلة حظّ من تلاوة كلام الله. تصالح مع قيام الليل، واعقد العزم على ألا تنقضي ليلة إلا وقد قمت تراويحها في بيت الله مع القائمين تصبر إلى آخر تسليمة ولا تطيع نفسك الأمارة بالسوء التي توسوس لك بالانصراف بعد ركعتين أو أربع، وألا تنقضي ليلة إلا وقد قمت ولو ركعتين في وقت السحر واستغفرت الله وألححت عليه بالدّعاء أن يقبل توبتك ويثبّت قلبك ويعينك على نفسك ويحبّب إلى قلبك الطّاعات ويبغّض إليه المعاصي والمنكرات… تصالح مع والديك واجبر كسر قلبيهما وخصص لهما من وقتك في أيام وليالي رمضان تلتمس رضا الله ودعواتهما… تصالح مع إخوتك وأرحامك وجيرانك في أيامٍ تلين فيها القلوب والأرواح، وادعُ لهم وارجُ لهم من الخير ما ترجو لنفسك… ومع هذا وذاك، احذر على قلبك ووقتك لصوص التوبة ولصوص رمضان؛ احذر التلفاز أن يقسّي قلبك بالإكثار من برامج الضّحك والإثارة في وقت أنت في أمسّ الحاجة إلى قلب ليّن خاشع… احذر الهاتف أن يسرق منك ساعات رمضان الغالية بالمنشورات ومقاطع الريلز التافهة… احذر الرفقاء الذين يرغبونك في الجلسات الطويلة في المقاهي ويدعونك إلى السهر الطويل الذي يضيع عليك ساعات ليالي رمضان التي تعتق فيها الرقاب… إنّ أبعد القلوب من الله القلب القاسي الذي يستثقل الصّلاة وقراءة القرآن والدروس والمواعظ، ويرتاح في جلسات القيل والقال في المقاهي والشّوارع وأمام شاشة الهاتف والتلفاز!

رمضان فرصتنا لنداوي قلوبنا من داء القسوة، وهو هذا العام ربما لا يتجاوز 696 ساعة، مضت منها ساعات كثيرة بسرعة عجيبة. وكما مضت تلك الساعات، ستمضي الساعات الباقية، ولن نشعر إلا ونحن نترقّب ما تعلن عنه لجنة الأهلة التي ترصد هلال شوال، إن كنّا في عداد الأحياء. والمخيف في الأمر أنّنا لا ندري حينما تجتمع لجنة الأهلة لترصد هلال رمضان مرة أخرى، أ نكون من الأحياء أم من الأموات؟ فلنصم صيام موّدعين، ولنقم قيام مودعين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!