-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

والجوع أنواع!

سلطان بركاني
  • 591
  • 0
والجوع أنواع!

وأنت ترى زحام النّاس في المحلات الكبيرة والصغيرة خلال الأيام الأخيرة التي تسبق رمضان، يتبادر إلى ذهنك سؤال ملحّ هو: هل جوع البطون وما يتبعه من وهن الأبدان، هو ما يخيفنا ويجعلنا نستعدّ كلّ هذا الاستعداد لاستقبال ضيف لا نكاد نعرف عنه إلا الحرمان والامتناع والإمساك؟ هل نهتمّ كلّ هذا الاهتمام بمائدة الإفطار فرحا بصيامنا، أم لأنّنا نلبّي رغبة دفينة غير معلنة في الانتقام من المنع والحرمان؟ هل نجد للجوع في نهار رمضان لذّة، أم إنّنا نعانيه ونكابده؟

طبيعيّ أن يكون جوع البطن الاضطراريّ بلاءً مرهقا ومقلقا للإنسان، لكن أن يكون الجوع الذي يفترض فيه أن يكون اختياريا تعبديا حملا ثقيلا على نفس عبد مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهذا وضع غير عاديّ، لأنّ المسلم يعلم أنّ خالقه ومولاه هو من فرض عليه ذلك الجوع وجعله قربة يؤجر عليها العبد عظيم الأجر، كيف لا وهو يعلم الحديث القدسيّ الذي يسمعه كلّ عام في دروس الأئمّة وخطبهم: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، إلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ”… الجوع في رمضان ليس كأيّ جوع آخر، هو جوع لا يداوي كثيرا من علل وأدواء البدن فحسب، لكنّه يساهم -قبل ذلك- في إشباع جوع آخر يفترض أن يوليه الصّائم أهمية أكبر من جوع البدن؛ هو جوع الرّوح.

الرّوح مخلوق سماويّ علويّ، غذاؤه ليس من غذاء البدن، بل إنّ الإكثار من الطّعام والشّراب والشّهوة يثقل الرّوح ويخنقها ويعيق حركتها وسموّها نحو الملكوت الأعلى… غذاء الرّوح هو في الخوف من الله والشعور بالفقر والحاجة إليه، وفي استشعار معيته ورقابته، وفي التذلّل والانكسار بين يديه، وفي طاعته وطلب مرضاته… غذاء الرّوح في الخشوع بين يدي الله في الصّلاة، في تدبّر كلام الله، في التوبة التي تنطلق من القلب وتجري معها دموع العين، في خفض العبد جناحه لوالديه، وصبره على أرحامه وجيرانه وإحسانه إلى خلق الله…. ورمضان يعود كلّ عام لذكّرنا بهذه الحقيقة التي لخّصها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب –رضـي الله عنه- بقوله: “راحة الجسم في قلّة الطّعام، وراحة القلب في قلّة الآثام”؛ حقيقة أنّ سعادة العبد في الدّنيا والآخرة ليست في اهتمامه المبالغ فيه بتلبية مطالب جسده الفاني وإشباع جوعته، إنّما هي في اهتمامه بروحه، وتفانيه في إشباع جوعها وفي توثيق صلتها بخالقها وإطلاق سراحها من سجن الدّنيا الضيّق، وفي إبعادها عمّا يطفئ نورها ويعيق حركتها من الذّنوب والآثام الصغيرة والكبيرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!