الرأي

آه يا الخدّاعين!

جمال لعلامي
  • 3216
  • 9

تفاجأت نهاية الأسبوع بحشد وتجنيد عمال “نات كوم” والبلديات، لتنظيف وتزويق شوارع وطرقات إحدى المناطق “المحظوظة” بمرتفعات العاصمة، وأدركت أن مسؤولا كبيرا بصدد القيام بزيارة عمل وتفقد، وبلغني في ما بعد، أن الأمر قد يكون مرتبطا بجولة مبرمجة لوالي العاصمة، أو وزير البيئة!

ليس المشكل في المسؤول الذي سينزل بالمنطقة، ولكن الإشكالية في هذا التزويق والتلفيق الذي لا يكون إلا إذا ارتبط بزيارة رسمية، ولأن الموعد مرتبط بتوبيخ وتفتيش ومساءلة وربما فصل من العمل، فإن مسؤولي تلك الجهة، لا يمتنعون عن تشغيل وتوظيف العمال الزوالية حتى في عطلة نهاية الأسبوع!

لماذا لا يتم هكذا تنظيف الشوارع، يا عباد الله، دون أن يكون للأجندة ارتباط وثيق وموثق بزيارات الولاة والوزراء؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه المهازل؟ ولماذا لا يتمّ استبدال الزيارات “المفضوحة” بزيارات تفتيشية مفاجئة تفضح المستور، والهدف بطبيعة الحال تقويم الإعوجاج ومحاسبة المتورطين؟

من الطبيعي أن يتمنى المواطن البسيط، أن يزور الوزراء وكبار المسؤولين بقعتهم المنسية كلّ يوم، حتى تبقى دائما نظيفة ومزوّقة، لكن إلى متى تبقى المرافق العمومية رهينة الغشّ والتدليس والنصب والاحتيال واعتماد “التمثيل المسرحي” في تدشين المشاريع ومراقبة سيرها؟

من المؤسف، بل من العيب والعار، أن يتحوّل الخداع إلى عملة يتداولها كبار وصغار الغشاشين والهفـّافين والغمّاسين، من أجل الاستمرار في جني ثمار مسمومة تحت الطاولة وفوقها، ولعلّ استقبال الوالي أو الوزير بالورد والتمر والحليب، واحدة من “المقدّسات” التي يجب إسقاطها!

نعم، حبل الكذب قصير، مثلما تستطيع أن تكذب على بعض الناس بعض الوقت، لكن يستحيل أن تكذب على كلّ الناس كلّ الوقت، ولذلك، على المخادعين أن يعودوا إلى صوابهم وأخلاقهم وضميرهم، مثلما ينبغي على أصحاب زيارات العمل والتفقـّد، أن يتنازلوا عن منطق تدشين المدشّن بقصّ الشريط الأحمر عبر الورشات!

المصيبة، وهذا ليس سرّا أو سبقا، أنه بمجرّد اختتام زيارة “السيّد المسؤول”، تعود ريمة اللئيمة إلى عادتها القديمة، وهناك نماذج حيّة وشهادات واعترافات تنقل وقف المُدشـّن وتناثر الأوساخ والقمامة، واستئناف العقليات القديمة والمتحجرة، وغياب “اللسان الحلو”، فور ركوب الرئيس أو الوزير أو الوالي، سيارته باتجاه مكتبه الذي قد تصله فقط التقارير المغلوطة!

 

مصيبتنا، أن الكذب تحوّل إلى هواية، والفساد إلى رياضة، والخداع إلى إبداع، و”التشيبا” إلى حقّ، ولذلك يشغـّل المسؤول الصغير العمال الزوالية يوم الجمعة، ولا يسأل عنهم طوال العام، طالما أن المسؤول الكبير، لا يقوم بزيارته إلاّ إذا مهـّد لها بإشهار وبيانات في معناها الكاريكاتوري تردّد: اهرب يا سرّاق رانا جايين!

مقالات ذات صلة