-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يوسف زرارقة: هندسةُ الصمتِ وسَدَانةُ القلم

لعلى بشطولة
  • 58
  • 0
يوسف زرارقة: هندسةُ الصمتِ وسَدَانةُ القلم

*«لعلي.. اكتُب! فإنَّ لكَ قلماً جميلاً.»*

لم تكن مجرد جملة، بل كانت أمراً متخفياً في هيئة نصيحة، ومهمةً مقدسة من أخٍ لا يطيق الهدر ولا العشوائية. اليوم يا يوسف، أمتثل لأمرك وأكتب. لكنَّ الحبر اليوم ثقيل، مُشبعٌ بذاك الصمت الذي كنا نهوى تأمله أمام بحر الدوحة. أكتب لأشهد أنه تحت بزة كبار رجالات الدولة، وخلف نظرة الخبير الدولي، كان ينبض قلب الجزائر الأزلية: تلك التي لا تُباع، ولا تتباها.

هندسة الصمت

لم يبحث يوسف زرارقة يوماً عن الأضواء؛ بل كان يفضل أن يكون هو من يضبط إيقاعها لتسليط الضوء على الآخرين. في ردهات *رئاسة الجمهورية، وفي مكاتب **وكالة الأنباء الجزائرية (وأج)، أو في قلب المفاعل الإعلامي العالمي لشبكة *”بي إن سبورتس”**، مارس يوسف الصحافة كأنها صومعةٌ للصمت. كان هو المهندس الخفي؛ ذاك الذي لا نلحظ وجوده، لكن بدونه ينهار البناء كله.

من باريس إلى الدوحة، جالَسَ الكبار وصنّاع القرار بمرونةٍ مذهلة، لم تكن نابعةً من طموحٍ شخصي، بل من تفوقٍ فكري مُغلف بتواضعٍ حديدي. حين تولى إدارة مكتب وكالة الأنباء الجزائرية في *باريس عام 1996*، في قلب العاصفة، لم يكن مجرد مدير تحرير، بل كان “مُترجماً” لجزائرٍ لم يفهمها العالم حينها، ودرعاً لأمةٍ جريحة. كان يعرف كل شيء، ويرى كل شيء، لكنه لم يكن يقدم إلا الحقيقة المجردة، تلك التي تخدم الوطن قبل أن تخدم الأنا.

بين “الساعات الثلاث” وبساتين النخيل

ومع ذلك، لم تكن هويته الحقيقية في الصالونات الدبلوماسية. لفهم يوسف، كان عليك أن تصغي إليه وهو يتحدث عن فن *”الشعبي”، وعن صداقته المقدسة مع الشيخ **الهاشمي قروابي، أو تراه وهو يسرح مع النغمات الأولى لصوت **خليفي أحمد*.

كان يمثل ذاك التناقض البديع: مثقفٌ عضوي قادرٌ على تفكيك الجيوسياسية الأورومتوسطية لأكبر مراكز الأبحاث، وفي الوقت ذاته، ظل مرتبطاً وجدانياً بحي *”الساعات الثلاث” بباب الواد. لم تكن نبالته نبالة قصور، بل نبالة “حومة”. كانت تلك “الحطة” (الأناقة الأخلاقية) الموروثة من رمال **بسكرة*، موطن أجداده، وهي التي منحتَه القدرة على الانتقال من قصور “الإليزيه” إلى المشي على كورنيش الدوحة، وهو يحاول بضحكةٍ صادقة أن “يستعيد رشاقتُه” متحدياً الزمن.

وصية الوفاء

وسط الشبكات العالمية والملفات الساخنة لاتصال الدولة، لم يكن ليوسف من مَلِكٍ مطاع سوى طفلٍ صغير: *حفيده*. أمام هذا الصغير، كان مستشار الكبار يضع سلاحه جانباً. هناك كان ملكوته الوحيد، وإقليمه السلمي، وانتصاره على المنفى وعلى آلام العشرية السوداء.

في دبي، قلتُ له يوماً: «مهما تمسكنا بالزمن، فإنه سيدركنا في النهاية.»

لقد أدركك الزمن يا يوسف.. باكراً جداً، وبسرعةٍ تفوق الاحتمال. لكنه فشل في أمرٍ واحد: فلا سلطة للزمن على الوفاء.

حكمٌ للأبد

تترك لنا درساً في الحياة يتلخص في جملة واحدة: يمكنك أن تُجالس أصحاب القوة والجاه دون أن تعلق ذرةُ ذهبٍ واحدة على ثيابك. رحلتَ كما عشت: بصمتٍ يفرض الاحترام، وبحضورٍ يملأ الغياب.
لقد يتمَ القلمُ يا يوسف، ولم يعد يعرف كيف يرسم الخطوط دون نظرتك التي كانت تُصوّب المسار. لكنني سأفي بالوعد. سأكتب، لأن صمتك كان أغنى من أن يظل دون ترجمة، وحياتك كانت أكثر نبلاً من أن تمر دون أن تصبح أسطورة.

*نم قرير العين يا أخي.. لقد توقف الزمن، لكن الصداقة، بدأت للتو سباقها ضد النسيان.*

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!