مَن يحمي مَن؟ قواعد البيانات أم القواعد العسكرية…
أيهما يتحكم في الآخر: القواعد العسكرية، أم قواعد البيانات؟ أيهما يحمي الآخر، القواعد العسكرية، أم قواعد البيانات؟ يبدو أن الإشكال في هذا المجال مُعقَّد إلى درجة أننا لا يمكن إيجاد مخرج له باعتبار أن القواعد العسكرية لا يمكنها أن تشتغل من دون قواعد بيانات وقواعد البيانات لا يمكنها أن تُحمَى من دون قواعد عسكرية، بل إن ما يُعرف بمراكز البيانات الضخمة على خلاف القواعد العسكرية تحتاج إلى نوعين من الحماية، الأولى مادية ضد الهجمات المباشرة على المنشآت التي تحتضنها أو تُشكِّل شبكة نقل بياناتها، خاصة الكابلات البحرية، والثانية سيبرانية، تتعلّق بالاختراق الرقمي لأنظمة عملها الداخلية وتخريبها من دون إلحاق الضرر بالمنشآت. وفي كلا الحالتين تكون النتيجة توقفها عن أداء عملها أو القيام به بطرق غير سليمة.
ولهذا تعيش الدول المالكة لأكبر عدد من مراكز البيانات الضخمة على شكل قواعد بيانات تنتشر على مساحات واسعة مثلها مثل القواعد العسكرية، مشكلة جوهرية بين حماية أي منها. ومع تزايد الترابطات في الاقتصاد العالمي، وتزايد الاعتماد على الانترنت والذكاء الاصطناعي، أصبح من غير الممكن الحديث عن تقدم دولة معينة من دون أن تكون متقدِّمة في هذين الجانبين وقادرة على حمايتهما، ذلك أن كلاهما يحتاج الآخر.
ففي الحرب الأخيرة على إيران، ما كان للطائرات الأمريكية الإسرائيلية المهاجمة أن تُحقِّق أهدافها من دون تحليل عميق للبيانات التي توفرها المراكز الضخمة لقادة سلاح الجو، سواء تعلق بتلك المتحصل عليها عبر الأقمار الاصطناعية أو عبر الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل وتركيب ملايير المعلومات. وذات الشأن بالنسبة للصواريخ الإيرانية ما كانت لتضرب أهدافها بدقة من دون الاستناد إلى بيانات دقيقة ومن دون التمكن من القدرة على قراءة هذه البيانات عبر حواسيب فائقة التطور.
وإذا علمنا أن الولايات المتحدة تملك ما يقارب ثلثي مراكز البيانات الضخمة في العالم (62%)، وهي أكثر الدول امتلاكا للقواعد العسكرية خارج إقليمها (ما بين 200 إلى300 رئيسية و800 موقع عسكري) (50% إلى 60%) من مجموع قواعد العالم)، يتبين لنا كيف أن لديها في ذات الوقت أكبر نقاط قوة وأكبر نقاط ضعف. ففي مواجهتها الأخيرة مع إيران تعرضت قواعدها العسكرية في الخليج أكثر من مرة إلى ضربات مباشرة، إلا أن مراكز البيانات التابعة لشركاتها أو بالشراكة مع الرأسمال الخليجي لم تتعرض سوى 3 مرات في بداية شهر مارس الماضي بعد استهداف مركز AWS التابع لأمازون وكان ذلك إشارة واضحة من طهران لإمكانية استهداف بقية المراكز في الشرق الأوسط بما في ذلك غير الأمريكية وهي تعلم أنه لا يمكن ردعها في هذا المجال. وفي هذه الحالة ستكون الضربات أقسى من ضربة الرادارات المتطورة أو الطائرات الرابضة على الأرض في القواعد العسكرية، ذلك أن النتائج ستكون فورية ليس على المنطقة فحسب، بل على كافة بلدان العالم المرتبطة بالمراكز الخليجية.
وإذا علمنا أن دول الخليج العربية تحولت في السنوات الأخيرة إلى عُقدة عالمية لمراكز البيانات الأمريكية والمحلية، إلى جانب ضمها عددا كبيرا من القواعد العسكرية -كل المنشآت- (نحو 10)، يتبين لنا مدى صعوبة التعامل مع الوضع ومدى خطورته وهشاشته في آن واحد، والأهم من ذلك صعوبة إيجاد أولوية للتعامل مع أي من القواعد.
ولا نُبالغ إذا قلنا إن الصراع إذا وصل إلى مستوى تهديد هذين النوعين من القواعد (الخاصة بالبيانات والعسكرية)، يكون قد وصل إلى خط اللاّرجعة وسيكون مدمرا للطرفين. وهنا تتجلى مخاطر الحرب اليوم. إنها وإن كانت عسكرية في الظاهر، عمقها ليس كذلك. وكلما ازداد الترابط بين مكوناتها المادية (الأسلحة) وغير المادية (البيانات والخوارزميات) كلما ازدادت تعقيدات من يحمي مَن، وينبغي إعطاء الأولوية لمن قبل مَن؟ الأمر الذي يجعلنا في حاجة إلى استباق التطورات والتساؤل عن إمكانية دفاع الشعوب النامية عن نفسها في ظل هذه التطورات المتسارعة. ومن دون شك ستكون لِنتائج الحرب على إيران تأثيرات كبيرة على العقيدة العسكرية لكافة دول العالم النامية والمتقدمة منها، ذلك أن مسألتي الدفاع والهجوم ومدى قدرة القوى الكبرى على إلحاق الهزيمة بالقوى الصغرى ستتغير تماما..