“آينشتاين” في النّار… و”ابن باز” في الجنّة!
تَرُوج في وسائط التواصل الاجتماعيّ، في الآونة الأخيرة، منشورات علمانية كثيرة، تستهجن –بكلّ سخرية واستهزاء- اعتقاد المسلمين أنّ الكافر مَهما قضى حياته متفانيا في خدمة البشرية وتيسير حياتها، فإنّ مصيره بعد الموت النّار، بينما يكون مصير المسلم الجنّة ولو عاش حياته عالة على البشرية، لم يقدّم لها شيئا.. ويذهب بعض العلمانيين بعيدا في السخرية بطرح تساؤل استنكاري: كيف يمكن أن يدخل “آينشتاين” (مؤسس الفيزياء الحديثة)، وغراهام بيل (مخترع الهاتف)، وألكسندر فلمنج (مكتشف البنيسيلين)، وويليس كارير (مخترع المكيّف)، وتوماس أديسون (مخترع المصباح الكهربائي)،…؛كيف يدخل هؤلاء جميعا النار، بينما يدخل الجنّةَ “ابنُ باز” و”آل الشيخ” و”الفوزان” وغيرهم من العلماء الذين ينكرون دوران الأرض؟!
وقبل الكشف عمّا في هذه المقارنات من خلل، لعلّه يكون من المفيد أن نوضح مبدأ مهمّا يتعلّق بالتفريق في الجزم بدخول الجنّة أو النار، بين “الحكم على الوصف” و”الحكم على المعيّن”؛ فالحكم للمسلم بدخول الجنّة، إنّما يكون للوصف وليس للمعيّن، إذ لا يجوز الجزم لمسلم معيّن باسمه أنّه من أهل الجنّة، إلا من ورد النصّ في حقّه بذلك.. وهكذا الكافر -الذي هو “غير المسلم”-؛ الحكمُ عليه بالخلود في النّار هو حكم مبدئيّ عام لصنف “الكافر” لا يجوز التشكيك فيه، ولو كان الكافر من أنبل النّاس خلقا ومن أكثرهم نفعا للبشريّة، لكنّ المعيّن من الكفار باسمه ورسمه لا يُقطع له بدخول النّار إلا من ورد النصّ في حقّه بذلك، كأبي لهب مثلا، لأنّ رسالة الإسلام قد تبلغ الكافر المعيّن على غير حقيقتها ولا تقوم عليه حجّتها، فيُمتحن يوم القيامة ليتحدّد مصيره.
أمّا تلك المقارنات غير الموفّقة بين عالم غربيّ كافر وعالم دين مسلم، فهي مقارنات “مراهقة” تستهوي كثيرا من الشّباب المتأثّرين بالمادية الحديثة التي تجعل تحقيقَ المصلحة الدنيوية، هو الأساسَ في الحكم على الأشخاص؛ فأكثر النّاس إسهاما في تحقيق المصلحة المادية ينبغي أن يكون –في ميزان هؤلاء الشّباب- الأكثر شهرة ومجدا، وينبغي أن تكون البشرية كلّها مدينة له معظّمة لاسمه، بينما يستبعد من الاهتمام والإطراء من لم يقدّم شيئا ملموسا في مجال الماديات والملموسات.. لذلك، فهؤلاء الذين يعظّمون مشاهير علماء الغرب، كثيرا ما يتجاهلون علماء غربيين آخرين مشهورين لا لشيء إلا لأنّ إسهاماتهم لم تكن في الجانب الماديّ، كبعض الفلاسفة وبعض علماء النّفس، من أمثال “كارل يونغ”، و”جوردن ألبورت”، و”ألبرت باندورا”، وغيرهم… فكيف -والحال هذه- يمكن هؤلاء الشّباب المستلبين ماديا أن يلتفتوا إلى علماء المسلمين الذين كانت لهم مساهمات كبيرة في مجال “تزكية النفس” والتأسيس لعلم نفس إسلاميّ يُحسب له حسابه الآن؟ ولو أنّك ذكرت لهذا الصنف من الشباب اسم الإمام “ابن القيم”، لما عرفوا عنه إلا أنّه صاحب القصيدة النونية التي تتحدّث عن الجنّة وعن الحور العين! مع أنّ القصيدة هي جزء صغير جدا من تراث ابن القيم، وعلاوة على ذلك فمضمونها أشمل من الحديث عن الحور العين وعن الجنّة.
ومن عجائب هؤلاء الشّباب المتأثّرين بالمادية الغربية أنّهم يتحدّثون عن الجنّة، وعن الغيب عامّة، كقضية “ميتافيزيقيّة” زائدة لا ينبغي أن تحظى بالاهتمام على حساب واقع النّاس في هذه الدّنيا، لكنّهم في المقابل يستنكرون أن يحكم المسلمون على علماء الغرب الذين يكفرون بالله واليوم الآخر ولا يؤمنون بحساب ولا جنّة ولا نار، بأن مصيرهم النّار!
المبدأ الإسلاميّ في الحكم على سعي الإنسان ينبني على حقيقة أولية مهمّة هي أنّ حياة الإنسان تبدأ من لحظة نفخ الروح في جسده، وتمتدّ إلى ما لا نهاية؛ جزء قصير منها يكون في الدّنيا، أمّا الجزء الباقي والأهمّ فيكون في الآخرة، وكلّ إنسان يجازى في الجزء الذي عمل له واهتمّ به؛ فمن عمل في الدّنيا وعينه على الآخرة، يرجو ما عند الله من ثواب حسنٍ باقٍ؛ فهذا يعجّل له من ثواب الدّنيا بقدر ما قدّم فيها من نفع، ويجازى من ثواب الآخرة بقدر إيمانه بالله وطاعته له ورجائه لما أعدّه في الآخرة. يقول الله -جلّ وعلا-: ((وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)).. وأمّا من كان عمله كلّه خالصا للدّنيا، ونسي الآخرة ولم يهتمّ بها ولا عمل لها؛ فهذا يجازى في الدّنيا بإحسانه شهرةً وذكرا حسنا بين النّاس وأموالا وحظوظا كثيرة؛ فجزاؤه –إذن- يكون بحسب رجائه، وما دام لم يكن في الدّنيا يذكر الله ولا يشكره ولا يرجع الفضل إليه ولا يرجو ثوابه؛ فكيف يجازى بالحسنى في دار أخرى لم يكن يرجوها وربّما لم يكن يؤمن بها؟ يقول الله تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)).
من يُطالب بأن يكون من يكفر بالله واليوم الآخر وينكر الحساب والجنّة والنّار، من أهل الجنّة لأنّه قدّم للبشريّة اختراعات سهّلت حياتها، حاله كمن يطالب بمنح شهادة جامعية لرجل لم ينتسب إلى الجامعة ولم يكن يعترف بها ولا يؤمن بها مكانا لتحصيل العلم، لا لشيء إلا لأنّه ذكيّ مثلا! أو كمن يُلزم أبًا بأن يضمّ إليه ابنه الجاحد الذي لا يعترف بأبيه ولا يريد أن يسمع باسمه أو يراه، لا لشيء إلا لأنّ ذلك الابن قدّم العون لأناس آخرين وأحسن إليهم، وهو الذي نسي فضل أبيه وإحسانه إليه على مدار سنوات طفولته!
إنّ العالِم الذي يكابر خالقه وينكر فضله عليه وعونه له، وينكر الوقوف بين يديه ويجحد جنّته وناره، أسوأ حالا من ذلك الابن الذي يعقّ والده وينسى فضله على الرغم من كلّ ما قدّمه الأب! والعالم الذي يسبر أغوار الكون ويتأمّل الخلق يُفترض أن يكون أقرب من غيره إلى معرفة آلاء الخالق وإدراك شيء من عظمته، فإن هو أصرّ واستكبر وعاند أو تجاهل الحقائق الصارخة، فالعدل الإلهيّ يقتضي أن يُحرم الجنّةَ التي كتبها الله لمن يؤمن به وباليوم الآخر.
بقي أن نشير إلى أمر مهمّ يتعلّق بالثواب والعقاب، وهو أنّ من يسعى في الأرض ظلما وفسادا، يُجازى في الآخرة بالسّوء ولو كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويصلّي ويصوم ويزكّي ويحجّ.. ومن يسعى في الأرض إصلاحا وهو كافر بالله واليوم الآخر، فجزاؤه الحسنى في الدّنيا بإحسانه فيها، والحرمان من الجنّة في الآخرة لكفره بها. لكن مع ذلك فعذابه لن يكون مثل عذاب الكافر الذي يسعى في الأرض ظلما وفسادا.