-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ملك المغرب الحسن الثاني و أسرار “فيلم الرسالة” !

ملك المغرب الحسن الثاني و أسرار “فيلم الرسالة” !

لا تزال كلمة أستاذنا سي محمود نايت مرزوق رحمه الله ترنّ في أذني كما قالها ذات يوم وأنا أدرس عنده مادتي التاريخ والجغرافيا في  السنة الثانية من التعليم المتوسط في اكمالية ابن خلدون بسوق اهراس، حيث قال لنا : «لو كان السروال يُلبس برخصة، لما لبسه العديد من الذكور».

عبارة بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها، تُلخّص لنا جوهر ما تعيشه بعض الأمم والشعوب اليوم: فما يُعطى من غيرك ليس ملكًا لك، وما يُرتدى برضا الغير سرعان ما يُخلع حين يغير الغير رأيه. وهكذا كان حال المملكة المغربية: كثيرون من السلاطين ثم الملوك الذين جلسوا على كراسي الحكم في المغرب ظنّوا أنهم «يلبسون» سيادة وقرارًا، بينما هم في الحقيقة لا يملكون عليها رخصة من عند أنفسهم — بل رخصتهم ممهورة بأختام العواصم البعيدة، تنفع ما دامت العلاقات طيبة، وتسحب متى تغيرت الرياح.

إن قصة فيلم «الرسالة»ليست مجرد قصة عمل سينمائي واجه العراقيل ثم رأى النور؛ بل هي مرآة صادقة تعكس تمامًا هذه الحكاية: ملك وافق بكل رحب، ثم أُمر فأطاع، وطرد من أرضه من كان يبني عليها مجدًا ثقافيًا، لم يذنبوا إلا لأن «المرخص لهم» بالكلام في بلد آخر قالوا لهم: انصرفوا.

إنها قصة من لا يملك رخصة البقاء على موقفه، حين يأتيه الأمر ممن يملك القرار الحقيقي.

وسأروي كيف بدأت الحكاية بموافقة تامة، ثم انتهت بطلب الإيقاف والمغادرة في مهلة لا تتجاوز أسبوعين — ليس لأن المشروع تغير، ولا
لأن مخالفات ظهرت، بل لأن قرارًا من خارج المملكة المغربية فرض نفسه على قرار الملك الحسن الثاني.

وفي قلب هذه الأحداث تتجلى المفارقة الصارخة: ما لا يقبله أحد على أرضه، يُفرض على غيره دون وجل. ثم يأتي دور من يملك الجرأة والقدرة ليحتضن ما رُفض، فتنتقل الرسالة من بلد مُسير إلى بلد هو صاحب القرار.

1- الموافقة والبداية: المغرب يحتضن الحلم

في مطلع السبعينيات القرن الماضي، لم يكن مشروع «الرسالة» مجرد فيلم؛ بل كان طموحًا عربيًا وإسلاميًا ليروي قيام الدعوة الإسلامية بلسان معاصر، وباحترام يليق بمكانتها، بعيدًا عن النظرات الاستشراقية التي طالما تناولتها بتباعد أو تشويه. حين عرض المخرج الكبير مصطفى العقاد مشروعه على الملك الحسن الثاني، وجد استجابة رحبة وترحيبًا كاملاً. لم يكن هذا الترحيب عفويًا؛ فقد رأى الملك الحسن الثاني في هذا العمل فرصة نادرة: أن تصبح المملكة المغربية منصة إقليمية وعالمية لقصة الإسلام، وأن يُعرف بوصفه حاضنة للثقافة والتراث الإسلامي، ولما لا وهو أمير المؤمنين وحفيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

صدرت الموافقة الرسمية، وتوفرت كل التسهيلات: خُصصت المواقع، وبُنيت نسخة طبق الأصل من مدينة مكة المكرمة في منطقة «آيت بوشنت» قرب مراكش، وتوفرت الأيدي العاملة والجهات اللوجستية، وبدأ التصوير فعليًا في أفريل عام 1974. استمر العمل طوال خمسة أشهر كاملة، لم يتوقف فيه شيء، ولم تُبدِ السلطات المغربية أي تحفظ. بل على العكس، كان الالتزام تامًا، والدعم واضحًا، وكأن المشروع جزء من هوية المملكة المغربية الثقافي.

وفي تلك الأشهر، لم يكن هناك ما يوحي بأن هذا الاحتضان سيتحول فجأة إلى غضب مفاجئ وكبير مع الطرد. لم تظهر عيوب في السيناريو — فقد راجعته جهات دينية وافقَت عليه —ولم تحدث مخالفات في التنفيذ، ولم تتغير رؤية الملك الحسن الثاني للمشروع. كل شيء يسير كما خطط له، حتى جاء الطلب من الخارج ليقلب الموازنة رأسًا على عقب.

2- اللحظة الحاسمة: حين يُطلب الإيقاف والمغادرة

في شهر أوت من نفس السنة، وبعد أن استقر الطاقم وأُنجز جزء من التصوير، استدعى الملك الحسن الثاني المخرج مصطفى العقاد وأبلغه قرارًا مفاجئًا: إيقاف العمل فورًا، ومغادرة جميع أفراد الفريق للمغرب في غضون أسبوعين فقط. لم يكن هذا القرار نابعًا من إرادة وطنية حرة؛ بل جاء استجابة لضغط مباشر مارسته عليه دولة عربية حليفة.

لقد ربط قائد الدولة حضوره للقمة الإسلامية المقررة في الرباط بموقف محدد: إما أن يُوقف الفيلم، أو أن يغيب عن الحضور. ولم يكن هذا مجرد موقف شخصي؛ بل كان تهديدًا بسحب الدعم السياسي والمالي الذي كانت المملكة المغربية في أشد الحاجة إليه في تلك المرحلة الدقيقة، حيث كان ملف الصحراء الغربية يدخل طور التحضير والترقب، وكان المغرب يعوّل على التأييد العربي لترسيخ موقفه.
وهكذا وُضع الملك الحسن الثاني أمام خيار لا يحسد عليه: إما الحفاظ على التحالف والدعم الخارجي، أو الحفاظ على مشروع ثقافي
قد يُكلفه غاليًا في قضية يعتبرها وجودية. فاختار التنازل، وإن كان ثمنه باهظًا، ويمس بسمعة الملك والمملكة.

لم يُعلن السبب بوضوح في حينه، واكتُفي بطلب المغادرة، لكن الحقيقة كانت جلية للمتابعين: قرار السيادة قد خُضع لإرادة خارجية. لم يكن الملك الحسن الثاني ملك المغرب حرًا في قراره كما كان قبل أشهر؛ بل أصبح رد فعله مرهونًا بما يُملَى عليه من العواصم الأخرى.

3- المفارقة الصارخة: لو طُلب الأمر عكسًا

ولنقف هنا أمام سؤال افتراضي يحمل في طياته كشفًا لموازين القوى: ماذا لو دارت الأيام وطلب وقتها الملك الحسن الثاني من قائد الدولة أن يوقف تصوير الفيلم — لو كان مقررًا في بلاده — هل كان سيوافق؟

الجواب، بكل ما تحمله الموازين والحقائق، هو كلا، وبأقوى صور الرفض. لم يكن قائد الدولة ليقبل التدخل في شؤون بلده، ولردّ فورًا وبحزم: «هذه أرضنا، ونحن من نقرر ما يُقام عليها وما لا يُقام». لاستخدم حجج السيادة والقرار الوطني التي تُرفع عادة حين يكون الموقف
قويًا. لم يكن ليُسمح لأحد أن يحدد له ما يُصوّر في بلده، ولا أن يربط زيارة أو حضورًا بوقف عمل ثقافي.

هنا تتكشف المعايير المزدوجة التي تحكم العلاقات بين الدول: فما يُعتبر «حقًا واجبًا» حين تمليه القوة، يُصبح «تدخلًا مرفوضًا»
حين يُطلب من القوة. لم يكن الاعتراض على فيلم الرسالة في ذاته هو القضية؛ بل كانت القدرة على فرض الرأي. من يملك النفوذ يفرض شروطه باسم الدين أو السيادة أو المصلحة، ومن يحتاج إلى دعم يُطيع مهما كان الثمن.

إن هذه المفارقة لا تكمن في اختلاف الموقف الديني — فالآراء في الاجتهاد متباينة — بل في أن منع فيلم الرسالة من أرض الغير أُعتبر «مطلبًا مشروعًا»، بينما منعه من أرضهم كان سيُعتبر «تعديًا على السيادة». وهكذا يتضح أن المعايير لا تُقاس بموضوع الحق، بل بمن يملك زمام القرار.

4- منقذ من المفاجأة: ليبيا تحتضن ما رُفض 

في تلك اللحظة التي كاد فيها المشروع ينهار، لم يكن هناك من يمد يد العون إلا الزعيم معمر القذافي. حين علم بما حدث، عرض استضافة الفيلم في ليبيا وتحمل جميع التكاليف المترتبة على النقل وإعادة البناء والتصوير. لم يكن هذا الموقف مجرد رغبة في دعم عمل إسلامي؛ بل كان في جوهره موقفًا سياسيًا يعكس رغبة في كسر الاحتكار للقرار الثقافي والديني الذي تمارسه دول عربية أخرى وقتها. وافق القذافي فورًا، وتوفرت الإمكانيات بلا قيود: نُقلت العناصر التي يمكن نقلها، وأعيد بناء المواقع في الصحراء الليبية، واستأنف العمل في أكتوبر 1974 ليستمر حتى ماي 1975.

تحملت ليبيا تكاليف إضافية كبيرة، تجاوزت ملايين الدولارات، لم تُنقص ولم تُسترد، وكان الهدف واضحًا: أن يُنجز العمل، وأن يُقال للعالم إن ما رفضته سلطة ملكية في المغرب احتضنته جمهورية فتية كانت قد قضت على النظام الملكي منذ حوالي خمسة سنوات فقط.

وبهذا انتقل المشروع من مملكة خضعت للضغط إلى جمهورية أرادت أن تُظهر استقلاليتها. لم يكن الموقف الليبي خاليًا من أبعاد النفوذ والمنافسة الإقليمية، لكنه في المقابل وفر الحماية والاستمرار لمشروع كاد يُفنى في مهده، وهو ما لم يفعله غيره في تلك اللحظة الحرجة.

5- القرار المرهون بالخارج

تبقى قصة «الرسالة» دليلاً صارخًا على واقع طالما عانت منه المملكة المغربية وغيرها من الدول: أن القرار الوطني لا يظل وطنيًا حين يكون الوطن معتمدًا في أمنه واستقراره على دعم الخارج.

لقد أظهرت الأحداث أن الموافقة التي تُعطى بحرية يمكن أن تُسحب بضغطة خارجية، وأن المشاريع الثقافية — التي ينبغي أن تكون معقل الاستقلال الفكري — هي أول ما يُضحى به حين تتقاطع المصالح.

إن ما حدث لا يُعزى إلى شخص واحد فقط؛ بل هو نمط متكرر في تاريخ المخزن المغربي: حين يكون القرار مرهونًا بما يُقال في العواصم الأخرى، لا يملك من في السلطة إلا أن يُوافق أو يُؤجل أو ينسحب. لم يكن المخزن المغربي في هذه القصة صانع قرار؛ بل كان مسرحًا لقرار اتُخذ خارجه، وطاقم عمل أُقيم ثم أُخرج، ومشروعًا احتضنه ثم تخلّى عنه تحت ضغط الخارج.

ولكن كل هذا يكشف أن الاستقلال الحقيقي لا يُقال في الخطب؛ هو أن تملك حق الرفض حين يأتيك الطلب من الخارج، وأن تُكمل ما بدأت دون أن يغير قرارك أحد. وهذا ما لم يتوفر في فيلم الرسالة في مملكة المغرب، وهو ما يبقى المطلب الأساسي للملك محمد السادس إن كان حقاً يملك قراره.

لقد أنجز فيلم الرسالة وباللغتين الانجليزية والعربية، وعُرض على العالم، ومازال يعرض الى غاية اليوم وغدا وبعد غد، وبقى في ذاكرة الشعوب الاسلامية والعالمية، أطول ممن منعه وممن أوقفه.

لكن الدرس الذي لا يُمحى هو أن الرسالة الثقافية لا تُكتب فقط بما تُعرضه على الناس؛ بل تُكتب أيضًا بمن يملك حق تقريرها ومن
يُسيره غيره.
وبهذا يبقى السؤال مفتوحًا: متى يُكتب الإبداع والقرار في مملكة اربعة عشرة قرناً بأيدي ملكه لا بأوامر تأتيه من بعيد؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!