الجزائر
أحداث منى والحرارة القياسية عششت في أذهانهم

أبناء وأحفاد يودّعون حجاجهم بالدموع والإغماءات في المطارات

الشروق أونلاين
  • 1302
  • 5
الشروق

تبخرت في أول أسبوع من تشييع زائري بيت الله الحرام، لدى عديد العائلات مظاهر البهجة عبر مواكب السيارات والزغاريد التي كانت تحف الطائرين إلى البقاع المقدسة، وكان يصنع أجواءها الأبناء والأحفاد، بين إطلاق البارود في الفيافي والقرى، وبين مباهج مواكب السيارات التي تعلن توجه الأب أو الجد أو الأخ إلى البقاع المقدسة، وإذا كان ما بذله الأئمة من جهد لإيقاف مثل هاته البدع قد أتى أكله جزئيا، فإن ما تابعناه في المطارات يؤكد بأن ما حدث في الموسم الماضي من مأساة هزت الجزائريين وكل المسلمين، ضربت أيضا مثل هاته العادات في الصميم، بدليل حالة الخوف التي تعتصر الكثير من أهل المتوجهين إلى بيت الله الحرام، والتي تتحول بمجرد أن يمتطي الطائرة إلى بكاء، وحتى إلى إغماءات نسائية وكأن المسافر لن يعود أبدا.

وفي لقاء الحاج وأهله، لا نبصر سوى بسمة واحدة، تنطلق من محيى الحاج، أما البقية فهم يحاولون، ولكن كما قالت إحدى مشيعات والدها وهي من خنشلة عبر مطار قسنطينة محمد بوضياف، بأن صور الموت والجثث التي أرّقتها العام الماضي، مازالت تتعبها لحد الآن، فما بالك أن يكون والدها ضمن المسافرين إلى البقاع المقدسة. 

     تقول السيدة الأوراسية: “والدي عمره ثمانين سنة، وهو لم يخرج من الجزائر في حياته، أخشى عليه وهو في بيتي أمام ناظري، فكيف لا أخشى عليه بعيدا عني لمدة شهر” ويردّ شقيقها بسرعة: “إنه ليس بعيدا.. لقد خرج من بيتك إلى بيت الله الحرام، هو عند خالقه لا يمكن أن تكوني أكثر حرصا عليه من خالقه”، ولكن الرجل تكشفه دموعه وتزداد تهاطلا عندما تسقط شقيقته أمامه مغشي عليها، بعد أن علمت بأن والدها قد امتطى الطائرة فحقق حلمه وحلمها بأداء فريضة الحج، ولكن لقلب الابنة الخائفة على والدها أحكام أيضا.

استمعنا ونحن نتابع رحيل الحجاج إلى بعض الحديث الدائر بين الذي منّ الله عليه بأداء الفريضة الخامسة وأبنائه، كانت في مجملها نصائح من الأبناء للأب أو الأم للاعتناء بصحتهم، قليلون من خرجوا عن هذا النطاق، أحدهم من تبسة قال لوالدته: “لا أريد منك شيئا من زاد الدنيا، إهتمي فقط بصحتك”، حتى تتخيل أحيانا بأن المسافر داخل إلى قاعة العمليات، لإجراء عملية جراحية دقيقة وربما خطيرة جدا.

حتى الأئمة والمرشدين الذين شيعوا ورافقوا الحجاج، دار حديثهم حول اجتناب الزحام والابتعاد عن الحرارة التي تشير مصالح الأحوال الجوية إلى أنها الأقوى في العقود الأخيرة، وقد تسجل رقما قياسيا في الارتفاع خلال قرن من الزمان.

وتعود سيارات أهل الحجيج إلى قواعدها صامتة بمنبهاتها، وصامتون من بداخلها، في السابق كان الأولاد يترجون الوالد والوالدة الدعاء لهم في بيت الله الحرام، حتى يأتيهم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وأن يقيهم عذاب النار، والآن صار الأبناء من يدعون لأوليائهم إلى أن يعودوا سالمين، لأن الماضي القريب يدور بين رافعة سقطت فقتلت، وتزاحم في منى حوّل المكان إلى جبال من الجثث، والمستقبل القريب يتحدث عن حرارة قد تقارب الستين، ولكن في قلوب الجميع إيمان بأن رحمة الله أوسع من كل هاته المخاوف.

مقالات ذات صلة