أبو القاسم سعد الله… عُلُوٌّ فِي الحَيَاةِ وَفِي المَمَاتِ
إنْ قيلَ ماتَ فلم يمتْ مَنْ ذِكْرُهُ *** حيُّ على مَرِّ الليالِي باقِي
جمع الله سبحانه وتعالى في شيخنا أبي القاسم سعد الله ما تفرق في غيره من المحاسن الفاخرة والمناقب المتكاثرة، عُرِف رحمه الله بالاستقامة الخُلقية والصرامة العلمية والزهد في حطام الفانية، لم يعرف الكلل ولا الملل وما ضعف وما استكان، وكان من الصابرين.
تحمَّل مسؤولية وأمانة التأريخ الكامل والشامل لبلده الجزائر، بالرغم من عدم توفر كثير من الشروط التي ذكرها لمن يقوم بهذه المهمة الشاقة والصعبة، فلم تتوفر له المحفزات _ المادية والمعنوية _ ولم يتوفر له المناخ الحر، بل انعدم في كثير من المراحل التاريخية. كان سعد الله نتاج شعب يصنع التاريخ ولا يكتبه، والأدهى والأمر من ذلك أنه شعب لا يعترف لأي بطل في تاريخه، حتى أنه تميز بظاهرة غريبة انفرد بها عن بقية الشعوب وهي ظاهرة تحطيم الأبطال والرموز الذين صاروا غَرَضًا، كما لا حظ ذلك الشيخ سعد الله، فأمسى تاريخنا مهملا.
ولما توفر لسعد الله شرطان أساسيان وهما: بطولات وإنجازات شعبه، وثقافته العالية أيقن رحمه لله أن كتابة تاريخ شعبه أصبحت فرض عين يجب أداؤه على الفور لا التراخي، وأنَّ توقيتَ هذا الفرض ضروري لا اختيار ولا فسحة فيه .
كانت المهمة صعبة وشاقة وعظيمة – ولكن العظيم تصغر في عينه العظائم – تتطلب تضحيات كبيرة فمسارات وجوانب تاريخ الجزائر لا تحصى ولا تحصر ولا تستقصى، كتب رحمه عن فترة الإحتلال والمقاومات الشعبية والحركة الوطنية، والثورة الجزائرية، وفصل تاريخنا الثقافي الشامل من الفتح الإسلامي إلى القرن العشرين، في موسوعته العظيمة النادرة المفيدة الماتعة، واهتمَّ بتحقيق أعمال جزائرية رائعة . كان ميزانه العلمي صارما دقيقا، لا يَزِنُ بضاعة إلا إذا تميزت بالجِدِّية في المنهج، والجديد في الموضوع.
لم يبخس أحدا حقه ولم يجامل أو يتحامل على أحد، وكان يرى أن التاريخ لا يرحم الموتى الذين تنكروا وخانوا وطنهم وأمتهم، سواء كانوا زعماء أو أعيان أو مشايخ ……الخ.
وإذا كان من وَرَّخَ لمؤمن فكأنما أحياه، فما بالك بمن وَرَّخَ لأمة وأحيا تاريخها !!!
لم يكن ولاء الشيخ سعد الله إلا لدينه ولغته ووطنه، لم يقصد بما خَطَّ قلمه خدمة ملك أو أمير، ولم يرفع إنتاجه لسدة رئيس أو أعتاب وزير، ولم يرتمي ببضاعته إلا على أبواب فضل الله العلي القدير، رفض المناصب السامية، والجنسية الأمريكية، ونذر نفسه لخدمة العلم فاعتكف في محرابه، صائما عن زخرف الدنيا، قائما على كتابة تاريخ شعبه. كان رحمه الله مؤرخا حُرًا نزيها مُنزويا عن الشُّهرة، ناقما على صنف من المؤرخين وصفهم بأنهم يرضعون أثداء النظام ويمتصون أصابع الحكام، وما أكثرهم في العالم العربي.
لم يعجب البعض من قومنا منهج سعد الله العلمي المرتكز على دينه ولغته ووطنه، فهو نتاج مدرسة النجاح بقمار وشيخها محمد الطاهر التليلي ونتاج الحلقات العلمية بجامع الزيتونة ودار العلوم بالقاهرة، أرادوا منه أن يكون نتاج المدرسة الغربية ولم يكن ولاؤه لها بالرغم من دراسته بأمريكا، التي قصدها محصنا بصلابة دينه وعشقه للغته وحبه لوطنه.، وربما كان ذنبه أنه لم يتخرج من جامعة فرنسية، وحتى لو تخرج منها لكان كما كان، وبمناسبة ذكر فرنسا، ما أروع مقاله: (أتيناك طائعين يا باريس) جريدة الجديد: 15 / 12 / 2013م
لم أتشرف بالتتلمذ على أستاذ الجيل ومفخرة الجزائر، وتشرفت بمراسلات عديدة معه، اغلبها إجابات عن أسئلتي، وربما يأبى الجواب عن بعضها، فلا أراجِعُهُ هيبةً منه، كان يصف اعتكافه للبحث والتأليف ببيت الطاعة، وكنت كلما عثرت على وثيقة مهمة أو كتاب نادر يهمه أو إصدار هنا أو هناك عن تاريخ الجزائر أرسله له، كان رحمه الله يطلب مني معرفة ثمن الكتاب أو الكتب التي أرسلها له ليسدد ثمنها ويقول لي : لعلك تكلف نفسك ما لا تطيق، وأجيبه أن هذا دأبي مع زملائي من طلبة العلم ومشايخي، وأن إكرام أهل العلم مما أوصانا به سلفنا الصالح.
ومما قاله لي رحمه الله: (أن الرحلة أصبحت من طبعي، فلا إنتاج بدون تغيير البيئة ولا تغييرَ بدون رحيل ومشاهدةٍ وإضافة علم على علم) .
كان رحمه الله يقول: (إن أوقاتي معدودة بالدقائق !!! ) .
كان يقول: (أخافُ أن تنطفئ الشمعة قبل أن أكملَ المشروع !)، ونقول لك يا شيخنا: نَمْ قريرَ العين، لقد اكتمل المشروع ولم تنطفئ الشمعة بل زادت نورا على نور.
كان وفيا لأساتذته ومشايخه حققَ ونشرَ بعض تراثِ شيخه محمد الطاهر التليلي، وكان حاضرا في اليوم الدراسي بباتنة الذي خُصص للشيخ عُمر دَرْدُور، وكان الشيخ سعد الله قد تعرَّف عليه بالقاهرة، وأثنى عليه في كلمته، وقال عنه إنه – أي الشيخ عمر دردور – (كان من جيل آخر، جيل تطمئن إليه النفس وتثق في كلامه صدقه)، وكان وفيا للشيخ المهدي البوعبدلي فنشر الرسائل المتبادلة بينهما …….. الخ .
كان رحمه الله سليم الصدر عزيز النَّفس كاملَ الأدب، عفيف اللسان والقلم، يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه، بعيدا عن التَّكلف في أقواله وأفعاله، مُنْزَوِيًا عن الشُّهرة، عُرِفَ برجاحة العقل والفهم الثاقب والرأي الصائب، والمروءة والتواضع الجَمِّ، شهد له الناس بحسن السيرة وصفاء السريرة، كَثَّرَ اللهُ في المسلمين أمثاله. رحلَ سعد الله تاركًا وراءه مئات الطلبة، وآلاف القراء والباحثين، يعتمدون في رسائلهم وبحوثهم ومؤلفاتهم على مؤلفاته التي لا غنى عنها، فهي كالمُدَونة عند المالكية .
(*) باحث في تاريخ الجزائر الثقافي