الرأي

أبو القاسم سعد الله…. مؤسس المدرسة التاريخية الجزائرية

الشروق أونلاين
  • 5316
  • 2

وجدت نفسي تلميذا وطالبا عند استاذي “أبو القاسم سعدالله” – رحمه الله – عن طريق كتبه التي كنت أنهل منها وأنا في مرحلة التدرج (1990 – 1994)، وكنت أحس حينها أنني أتتلمذ على يد أستاذ ليس كبقية الأساتذة، يكتب كلمة فيبني حضارة، مؤسسا لمدرسة تاريخية جزائرية وطنية. وفي آخر سنة لي بمرحلة التدرج بمعهد العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية بجامعة قسنطينة، أرسلت له عن طريق أخيه (علي سعد الله) بحثا يتعلق بتاريخ الجزائر في بداية الاحتلال الفرنسي مستمدا من كتاب ألفته المؤسسة الاستعمارية سنة 1841 بعنوان “ضيعات الأطلس الصغير: الاستعمار الزراعي والديني والعسكري لشمال إفريقيا”. ورد علي المرحوم، بالرغم من كثرة انشغالاته، بكل تواضع في رسالة مطولة يحثني فيها على مواصلة البحث والترجمة لكتب العسكريين الفرنسيين وغيرهم ممن جندهم الاحتلال لتشويه تاريخنا وتوجيهه لخدمة الاستعمار حاضرا ومستقبلا. ومنذ ذلك الحين تواصلت مراسلاتي مع الفقيد أبو القاسم سعد الله – رحمه الله – ولمست من خلالها ما يلي:

 –  غيرته على الوطن الجزائري وتاريخه، وتنبيهه لضرورة كتابة التاريخ الوطني بأقلام جزائرية قلبا وقالبا، حتى لا يستغل تراثنا مثلما استغله أوائل المحتلين ووجهوه ضدنا. فلما طلبت منه سنة 1995 وهو بالولايات المتحدة الأمريكية، إبداء ملاحظاته وتوجيهاته حول البحث المذكور أعلاه، رد علي برسالة مؤرخة بمدينة مينابوليس الأمريكية يوم 23/10/1995 بقوله: “… إن بلادنا في حاجة للكثير من الترجمات التي تكشف لها عن مخططات العدو، وعن بحوثه وكشوفه، واستثماره لتراثنا الحضاري وتوجيه بعضه ضدنا”.

   –  حرصه رحمه الله على خدمة التاريخ الوطني، إذ استغل فترة تواجده بأمريكا ليقوم بعملية مسح لما احتوته المكتبات الأمريكية التي زارها، ورصد الكتب التي دونت عن الجزائر، وذكر لي مجلدات ضخمة تحمل عنوان الجزائر مازالت محفوظة في جامعة منيوستا، وقد اقترح على أحد الناشرين في الجزائر أن يصورها له، على أن يقوم هو بنشرها في الجزائر بلغتها الأصلية أو ترجمتها، فالمهم بالنسبة لسعد الله -كما ذكر – أن يطلع الجزائريون على كتابات أوائل المستعمرين وتفكيرهم العنصري المتعالي. 

 –  سهره على متابعة الباحثين في تاريخ الجزائر وتقديم يد العون لهم (من دون أن يريد جزاء ولا شكورا) ويسأل عن أحوالهم، إذ كتب لي قائلا في رسالة مؤرخة في 22 يونيو/جوان1996: “أكتب إليك في نهاية السنة الدراسية لأسأل عن أحوالك ومتمنيا أنك قد قضيت سنة مثمرة في البحث والتعليم. نعم إني أتوقع أنك بذلت جهدا جديدا في الترجمة من آثار الفرنسيين الأوائل، فهل أنا على صواب؟. 

 –  امتعاضه من حالة النشر في الجزائر، فقد أخبرني في ذات الرسالة عن انتهائه من مشروعه الثقافي لكنه مستاء من التكاليف والإجراءات العسيرة وذلك بقوله: “… أرجو من مشروعي الثقافي أن يرى نور النشر، وأنت تعرف أن دون ذلك أهوالا: فأين النشر في بلادنا، ثم إن الرقن وحده يكلّف الكثير من المال، فأين الربح المادي من مشروع كهذا؟ لكن رغبتي في أن أقدم عملا للجزائر تذكره الأجيال هو الذي حذا بي لأقدم على هذا المشروع”.

 –  لما يكون في ديار الغربة بحثا عن الوثائق وأداء لوظيفته ورسالته في البحث والتربية والتعليم، كان يشتاق للقدوم لبلاده الجزائر، ففي إحدى مراسلاته لي قال لي: “إني مشتاق للعودة للجزائر واستئناف نشاطي العلمي فيها، وأرجو أن يكون ذلك قريبا بحول الله”.

فعلا عدت إليها يا أستاذي سعد الله، وأسست فيها – إلى جانب رفاقك – المدرسة التاريخية الجزائرية، وكانت مساهماتك العلمية والمنهجية والفكرية في إثراء المكتبة الوطنية التي ظلت تشكو من قلة الدراسات الأكاديمية المعبرة فعلا عن تاريخ الشعب الجزائري العريق، فدراساتك وأبحاثك أماطت اللثام عن الكثير من الحقائق المتوارية وراء التراكمات والكتابات التاريخية الأجنبية عن بلادنا… فنم يا سعد الله قرير العين، فرفاقك وأصدقاؤك وطلبتك يملؤون الأرجاء، وأملنا الوحيد أن يتحدوا ويكملوا مشوارك الحضاري ويردوا بالحجج العلمية – كما كنت تفعل – على المفرنسين عقلا ولسانا، الذين مثلوا ويمثلون المدرسة التاريخية الكولونيالية.

 

(*) أستاذ مساعد بقسم التاريخ جامعة قسنطينة 2

مقالات ذات صلة