أبو عبد الله التَّنَسي
كم يحزنني ويؤلمني أن يتهافت أكثرُ الجزائريين، بمن فيهم بعض المثقفين، على بضاعة غيرنا، ولو كانت مزجاة، ويعرضوا عن سلعة علمائنا الغالية، وهذا ما كان يردّده شيخُنا أحمد حمّاني بقوله: “نحقرو سلعة بلادنا”.. وهذا أحدُ نقائص منظومتنا التربوية، إذ يتخرّج الطالب في الجامعة وهو لا يعرف إلا بضعة أسماء من علمائنا المحدثين جاهلا علماءنا الأقدمين الذين طارت أسماؤهم في الآفاق. ومن هؤلاء العلماء الإمامُ أبو عبد الله التَّنسي، نسبة إلى مدينة تنس من ولاية الشلف، التي يدعو بعضُ الجزائريين بها فيقولون ما معناه “الله يجعلك كالشلف، ماء ما ينشف، راي ما يتلف”.
منطقة تنس من أبدع ما أبدع البديع، ويذكّرنا بجمالها الذي يخلب الألباب ما قاله الشاعرُ القسنطيني ابن الفكون في بجاية وهو:
يا سائلا عن وصفها إن كنتَ ذا نَصَف
قل: جنّةُ الخلد فيها الأهلُ والولد
كلما زرتُ مدينة تنس سرّحتُ طرفي في أسماء مؤسساتها وشوارعها وساحاتها علّني أقرأ اسم عالم جزائري من أبنائها هو أبو عبد الله محمد التَّنَسي (ت 899 هـ/ 1494 م)، ولكن طرْفي يرجع خاسئا وهو حسير.
وقد عبّرتُ عدّة مرات في عدة مناسبات عن ضرورة إطلاق اسم هذا العالم على أحد مساجد المدينة أو غيرها، أو مؤسسة تربوية، وكم كنتُ أودّ لو أطلِق اسمُه على جامعة الشلف، مع تقديري لمن أطلِق اسمُها على تلك الجامعة وهي المجاهدة الشهيدة حسيبة بن بوعلي، التي يمكن أن يطلق اسمُها على أيِّ مؤسسة، ذلك لأنه عندنا كثير من أمثال الشهيدة حسيبة، وليس الأمرُ كذلك بالنسبة للتنسي.
لقد أجيبت دعوتي أخيرا عندما هتف لي الأستاذ حاج حجَّاج مدير الشؤون الدينية بولاية الشلف، وأخبرني أنّ اسم العالم الجليل التَّنَسي قد أطلِق على أحد المساجد في ولاية الشلف.. ولهذا العالم كتابٌ قيّمٌ اسمه “الطراز في شرح ضبط الخراز” في علم رسم القرآن الذي اعتُمد في ضبط رسم قرآن المدينة المنوَّرة الذي ينشره مجمّعُ الملك فهد للقرآن الكريم.
وبالمناسبة، فقد نُشر هذا الكتابُ محقَّقا على عدة مخطوطات، ونال شرفَ تحقيقه العالمُ الجزائري الدكتور أحمد بن أحمد شرشال، الذي هو الآن في الثمانين من عمره، وقد سعدتُ بزيارته في مدينة مليانة في يوم الجمعة الماضي 27/ 03/ 2026، صحبة الدكتور عبد الكريم حمادوش، وهو طريحُ الفراش، ندعو اللهَ -البرَّ الرحيم- أن يشفي عالمنا أحمد ويمنّ عليه بالصحة.
كما حضرتُ في يوم السبت 28/ 03/ 2026 في مدينة الشلف تدشينَ مدرسة قرآنية بمبادرة من الدكتور بوعلام قرمال بمساعدة الخيّرين في المدينة، وبعدها تشرّفتُ بحضور حفلٍ رمزيٍّ بمناسبة ختم إحدى الطالبات حفظ القرآن الكريم، في مدرسةٍ تحمل اسم أبي عبد الله التَّنَسي، وكلتا المدرستين تحت إشراف شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. وتقبّل اللهُ عمل العاملين وتنافس المتنافسين.