الرأي

أبو عبيدة.. دليلٌ على الانتصار

عندما ذهل العالم، في 7 أكتوبر 2023، أمام الهجوم الجوي والبرّي والبحري الذي شنّته المقاومة الفلسطينية، وضربت كبرياء الصهيونية العالمية في الصميم، كان العالم بأسره يتساءل عما حدث، وهل فعلا تمكّن أبناء فلسطين من تمريغ القوة التي لا تُقهر في التراب؟

في هذا التوقيت المليء بعلامات الاستفهام، ظهر الرجل الملثم أبو عبيدة “مضمّد الجراح”، المتيمّن باسم أمين الأمة ابن الجراح، أحد فاتحي القدس الشريف، وراح يقدِّم بكثير من الصدق حقيقة الوضع. ولم يزد عددُ إطلالاته عن الخمس، حتى صار يتابعه الصهاينة قبل كل الناس، كما كانوا يتابعون الشهيد حسن نصر الله في حرب تموز  2006، لصدق كلامه، أمام كذب نتنياهو ورفقاء السوء المحيطين به.

والآن وقد مرّت على الحرب أكثر من سنة وثلاثة أشهر، وبعد ثلاثين إطلالة، تحت الحديد والنار، عاد الرجل الحبيب إلى قلوب الأحرار، ليطلّ على العالم بنفس الثبات والصمود والإصرار، ليطمئن أشد الناس تشاؤما، بأن المقاومة مستمرّة، وحتى لو فرضنا كما يقول الخانعون إنها “خسرت”، فإن “طوفان الأقصى” كان مجرّد معركة في حرب لا تزال طويلة.

لم تُقس في تاريخ المعارك التي عرفتها الإنسانية، المواجهات بنوعية الذين يقتلون فيها وعددهم، فقد ضيّع السوفيات عشرين مليون جندي وانتصروا على النازية، وفقدت الجزائر مليونا ونصف مليون شهيد وأخرجت فرنسا من أرضها، بل وفقد الرسول- صلى الله عليه وسلم- في غزواته وإعلاء رايته، حمزة بن عبد المطلب وآل ياسر ومصعب بن عمير وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب وسراقة بن الحارث وغيرهم كثير، ولكن نصر الله والفتح جاءا، ورأى بعينه الناس يدخلون في دينه أفواجا، وهذا ما أوصله أبو عبيدة للعالم.

ويكفي أن الرجل لا أحد يعرف له اسما ولا ملامح، لأن قلب المؤمن بقضيته، أهم من شكله ومن اسمه وعشيرته؛ فقد استُشهد هنية والسنوار ونصر الله والعارودي، ولكن من بين الملثمين مجاهدون لا يختلفون عن كبار الشهداء، لأن المنبع واحد.

الذين لعنوا الرجل أو نصحوه بأن “يجاهد بالسنن”، والذين وصفوا إخوته بـ”الإرهابيين”، والذي كانوا يقتلونه في كل مرة بالإشاعة، والذين حاولوا أن يقدّموا لأسيادهم الصهاينة مكان تواجده، خاب مسعاهم وعلموا بأن الرجل الملثم بصم على انتصار المقاومة، فقد صدق الرجل في كل ما كان يقوله باعتراف الصهاينة أنفسهم، وهو الآن يبشّر بأن الحرب مازالت طويلة، ولن تنتهي إلا بالانتصار.

أبو عبيدة هو الناطق العسكري باسم كتائب القسّام، هو صوت المقاومة الصادق، عاش مرحلة التجهيز ومرحلة الحرب وقدّم النموذج الحقيقي للمقاومة، ولا على الذين أصرّوا على أن المقاومة قامرت وغامرت وانتحرت غير هذه الأبيات: 

يعاتبني في الذئب قومي لأنني    فقأتُ له عيناً فهاج وأقصروا
ولَوْ هُم أعانوني عليه بضربة    فقأنا له الأخرى فما عاد يبصرُ
ولكنّهم في الجبّ ألْقَوْا أخاهمُ    فلا واردٌ يأتي ولا الركبُ يُمصِرُ
تعاطفَ أغرابٌ لأجل قضيتي   وأهلي وجاري والقريبُ مُقَصرُ
أجود بأنفاسي لينجوَ إخوتي     وما همّني لو يكسبون وأخسرُ
عزمت بأن أسعى لنيل انتصارهم  فإن ضيّعوا نصراً فكيف سنُنْصَرُ
فيا خيبة المسعى أُقَرّبُ نصرَهم   ولكنّ درب النصر فيهم مُعَسّرُ.

مقالات ذات صلة