-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا لا تجد خُطب المساجد طريقها إلى واقعنا؟! (2)

سلطان بركاني
  • 28
  • 0
لماذا لا تجد خُطب المساجد طريقها إلى واقعنا؟! (2)

أشرنا في الحلقة الماضية إلى ظاهرة منكرة في واقع المجتمعات الإسلاميّة، تتمثّل في عزوف كثير من المسلمين عن التفكير في تحويل التوجيهات والمواعظ التي يسمعونها في خطب الجمعة وفي المقاطع الدعوية التي تملأ شبكات التواصل، إلى واقع يعيشونه في حياتهم جديةً في العبادات واستقامة في المعاملات… وذكرنا بعضا ممّا نظنّه أسبابا لهذه الظّاهرة… ونواصل في هذه الحلقة الإشارة إلى بقية الأسباب التي حرمتنا أن نكون من عباد الله الذين امتدحهم بأنّهم ((يستمعون القول فيتّبعون أحسنه)).

العزّة بالإثم

بعض النّاس، يملك في داخله نفسا أمّارة بالسّوء، ومع ذلك يعتزّ بها ويدافع عنها ويعادي لأجلها؛ فما أن يسمع الإمام يتكلّم في موضوع لصيق بالواقع فيقول مثلا: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟! حتى تنتفخ نفس ذلك العبد وينطلقَ بين الناس شاكيا: الإمام اليوم تكلّم عنّي وجعلني مادّة لخطبته أو درسه! مع أنّ الإمام ما زاد على أن قال: “ما بال أقوام؟” ولم يسمّ أحدا من النّاس… في “صحيح مسلم” أنّ ثلاثة نفر دخلوا يوما على بعض زوجات النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ليسألوا عن عمله في السر، فلمّا علموا أنّه -عليه الصّلاة والسّلام- يقوم بعض الليل وينام بعضه، ويصوم أحيانا ويفطر أحيانا، ويأكل من كلّ ما وجد، قالوا: هذا نبيّ قد غفر الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وقال بعضهم: أمّا أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: لا آكل اللحم، وقال الآخر: لا أنام على فراش… فلمّا سمع النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- من أزواجه ما قال أولئك الثلاثة، قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: “ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”… هؤلاء الرجال الثلاثة لم يذكر النبيّ -عليه السّلام- أسماءهم، لكنّهم كانوا معروفين بين النّاس، ومع ذلك فكلام النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عنهم لم يجعلهم يغضبون أو تأخذهم العزّة بالخطأ… بل قد فرحوا بأنّهم تعلّموا شيئا في دينهم، وأنّهم كانوا سببا في أن يتعلّم النّاس من خطئهم حتى لا يخطئوا مثلهم… هكذا هو شأن العبد المخلص دينه لله، البائع نفسه لله.

لكن، في المقابل، لنتأمّل هذا النّموذج لحال العبد الذي ينتصر لنفسه ولو على حساب دينه؛ حينما نزلت سورة “تبت يدا أبي لهب وتب”، كان في وسع أبي لهب وزوجته أمّ جميل أن يتظاهرا بالدخول في الإسلام ولو نفاقا، حتى يزعما أنّ القرآن قد أخطأ… لكنّ العزّة بالإثم حالت بينهما وبين ذلك؛ فأمّ جميل حين سمعت الآيات التي نزلت في حقّها، اتجهت مسرعة نحو الكعبة تبحث عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وفي يدها حجر تريد أن ترمي به خير خلق الله، وكان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- جالسا بجوار الكعبة وإلى جانبه أبو بكر الصديق رضـي الله عنه، فلما اقتربت منهما أمّ جميل حجب الله بصرها عن رسوله -عليه الصّلاة والسّلام- فما رأت إلا أبا بكر، فقالت له: يا أبا بكر أين صاحبك مذمم؟ فسكت أبو بكر -رضـي الله عنه- مندهشا. فقالت: أيهجوني صاحبك فيُذكَر اسمي على لسان الصغار في مكة؟! ثمّ حلفت قائلة: واللات والعزّى لئن رأيته لأضربن رأسه بهذا الحجر! أفي مثلي، وأنا بنت سيد بني عبد شمس، يقال الهجاء! والله لأهجونّه كما هجاني! ثمّ قالت: “مذمما أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا”، ثم انصرفت.

الاعتزاز بالأموال والمناصب!

كثير من النّاس يعرف الحقّ وتستيقنه نفسه، لكنّ ماله/ منصبه، يحول بينه وبين الإذعان للحقّ والخضوع له… المال نعمة إذا وافق قلبا لينا ونفسا مطوّعة عرّفها صاحبها قدرها… والمنصب كذلك نعمة لصاحب القلب اللين والنفس اللوامة؛ فأبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، مثلا، سخّروا أموالهم ومكانتهم لخدمة الحقّ… لكنّ المال والمكانة يتحولان إلى بلاء إذا وافقا قلوبا قاسية ونفوسا أمارة بالسوء؛ فأبو جهل وعمّه الوليد بن المغيرة وأُبيّ بن خلف، وبعد ذلك عبد الله بن أبي بن سلول، كانت أموالهم ومكانتهم وبالا عليهم… أبو جهل صاحب المكانة المرموقة في قريش، حينما بعث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أيقن في نفسه بأنّ محمدا نبيّ، ولكنّه كان لا يريد لأحد أن يأخذ منه مكانته وسلطانه في مكّة، فعادى الإسلام ونبيّه، وقد سجّلت كتب السيرة أنّه قال معترفا: “تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا… حتى إذا تجاثينا على الركب (تساوينا في الفضل كفرسي رهان)، قالوا: منا نبي! والله لا أفعل”.

وهكذا شأن عبد الله بن أبي بن سلول بعد ذلك في المدينة؛ كان على وشك أن يُتوجّ زعيما على يثرب، ولكنْ حين هاجر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- والتفّ حوله النّاس وتركوا ابن أبيّ، أخذت هذا الأخير العزّة بنفسه، فأضمر العداوة والحرب للحقّ.

وقبله في مكّة، كان الوليد بن المغيرة، صاحبَ المكانة الكبيرة في قريش بمكّة، وصاحب المال الكثير؛ سمع آيات القرآن فأيقن أنّه ليس من كلام البشر بعد أن أذهلته عباراته وأسرته بلاغته، وكاد يسلم لولا أن أحاط به النّاس وذكّروه بمكانته في مكّة، فما كان منه إلا أن أدبر واستكبر وأعلن الحرب على الحقّ.

وهكذا في كلّ زمان ومكان؛ يكون المال ويكون المنصب فتنة لصاحبه، إلا لقليل من النّاس؛ صاحب المنصب تسوّل له نفسه بأنّه أكبر من أن يسمع من فلان وعلان وأنّ مكانته لا تسمح له بأن يجلس إلى جانب فلان علان… وصاحب المال كذلك، يرى نفسه أكبر من أن يقول له أحد من النّاس: أنت مخطئ! يمنّ ويستكبر ويريد للنّاس أن يسمعوا كلامه ولا يعترضوا على كلمة منه. بل يريد لهم أن يكونوا طوع أمره ورهن إشارته، وإلا سلقهم بلسانه وتكبّر عليهم بعِطفه؛ فهو الذي يعطي وينفق ويعين النّاس، والناس يجب عليهم أن يحملوه فوق رؤوسهم ويثنوا عليه في كلّ حين وفي كلّ مكان، وويل لمن يعاتبه أو يخطئه! تماما كما قال الله: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ))؛ هذا في حقّ العبد الذي يعبد نفسه ويريد للنّاس أن يعبدوه، أمّا العبد الذي يرجو الله واليوم الآخر، فيقول الله عنه: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد))؛ يشري نفسه: أي يبيع نفسه التي لا تساوي عنده شيئا أمام كلمة الحقّ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!