العدوان على لبنان: ما وراء ذريعة محاربة حزب الله!
التكالب المُتزايد على لبنان الشقيق وقتل المئات من الأبرياء في المدة الأخيرة من دون تمييز بين طائفة وأخرى ودين ودين، يُبيِّن بوضوح أن محاربة حزب الله ما هي إلا ذريعة للكيان الصهيوني لإخضاع الإرادة السياسية اللبنانية لمنطق التطبيع الإسرائيلي من خلال الضغط على الدولة اللبنانية قدر الإمكان لدفعها دفعا نحو قبول المشروع الإسرائيلي، وكل هذا في إطار ما يُعرَف باستراتيجية إعادة رسم الحدود الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط بما يخدم التطلعات التوسعية للكيان.
تؤكد الأبحاث الإسرائيلية في أكثر من موقع مثل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، مركز بيغن السادات، كما توافقها أبحاث مراكز الأبحاث الأمريكية وبخاصة معهد كارنيجي بأن معظم اللبنانيين لا يوافقون على السياسات الإسرائيلية تجاه بلادهم ولا يؤيدون التطبيع إن كان بطريقة أو بأخرى. وفي استطلاعات للرأي للمؤشر العربي في دورتها الثالثة بتاريخ فيفري 2025 برز أن89% من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بـ”إسرائيل” أو التطبيع معها، كما أن97% يعتبرون سياسة “إسرائيل” تُهدِّد أمن المنطقة برمتها وهي دولة استعمارية وعنصرية… هذا يعني أن العدوان الذي يُشَن منذ سنوات على هذا البلد الشقيق إنما هو بسبب مواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، إذِ رغم تعرضه لأكثر من عدوان والثمن الباهظ الذي دفعه نتيجة مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية مازال رسميا وشعبيا على ذات الموقف. هناك بالطبع موقف مغاير بات يرتفع في المدة الأخيرة ليؤيد التوجه نحو تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني، إلا أنه يبقى ضعيفا مقارنة بموقف الغالبية من اللبنانيين (نحو 9% حسب المؤشر العربي المذكور آنفا). وبالنظر إلى الطبيعة التعددية في لبنان وحرية التعبير المكفولة دستوريا تجد كافة الأطراف تطرح وجهة نظرها عبر وسائل الإعلام وبكل حرية، الأمر الذي نادرا ما نراه في إعلام الكيان الصهيوني الموالي الذي يُخفي عمدا موقفه من لبنان تحت غطاء محاربة حزب الله لا محاربة لبنان. وأهم ما يمكن رصده في لبنان أنه بمقابل هذا الموقف الذي يبدو في مخرجاته مؤيدا لحزب الله هناك ارتفاع مستمر لتأييد دور الجيش في طرحه لنزع سلاح حزب الله بوسائل متعددة غير التصادم المباشر، وهو ما يقبله الحزب ضمن شروط تحرير الأرض أولا، وما يرفضه الكيان الصهيوني القائمة عقيدته من جهة على التوسع باستمرار ضمن محيطه المباشر ومن جهة أخرى على عدم الثقة في أية جبهة من جبهات التماس معه. وهو ما يؤكده استمرار احتلال الجولان، وبناء حاجز دفاعي قوي مع الأردن والتعبير باستمرار عن عدم الارتياح للقوة المصرية المتزايدة في المدة الأخيرة، وما تؤكده السياسة الإسرائيلي القائمة ليس فقط على تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، بل ومنعهم من البقاء في الدول المحيط به مثلما فعل مع المقاومة الفلسطينية في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وذات المقاومة في سوريا خلال مدة تزيد عن عشرين سنة، ويفعله مع جميع دول الجوار… هذا الأمر يعني أن السردية الإسرائيلية القائمة على استهداف حزب الله من دون استهداف لبنان هي سردية مزيَّفة وتهدف إلى التمويه على الهدف الحقيقي المتمثل في إسقاط الدولة اللبنانية أو إخضاعها بالقوة إلى منطق التطبيع الكامل تمهيدا لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط كما يتوهمها اليمين المتطرف الإسرائيلي تحضيرا لتحقيق وهم “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلي النيل.
إن زاوية النظر هذه تضطرنا إلى الوقوف إلى جانب لبنان الشقيق في هذه المحنة، مُدرِكين بوضوح خلفياتها وأبعادها السياسية وتداعياتها المستقبلية على المنطقة.
إن لبنان بصموده اليوم إنما يدفع الثمن غاليا من أجل وحدته شعبا ودولة ومن أجل وحدة أرضيه حتى لا تبقى محتلة، وفي مقام ثان من أجل ألا تتم إعادة بناء الشرق الأوسط بالمنطق الصهيوني القائم على وضع الآخرين بين خيارين لا ثالث لهما إما التطبيع بشروطه أو الإفناء وهو ما يرفضه لبنان الشقيق شعبيا ورسميا…