-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين الانتقام الإمبراطوري الصِّيني ودُنُوِّ نهاية الزَّمن الأمريكي

ناصر حمدادوش
  • 32
  • 0
بين الانتقام الإمبراطوري الصِّيني ودُنُوِّ نهاية الزَّمن الأمريكي

يعيش العالمُ اليومَ ضمن سياقِ تحوِّلاتِ النِّظام الدولي في ظلِّ أزمة الزَّمن الأمريكي، وتضعضع العولمة الليبرالية بوجهها البائس، والتي عمَّقت اختلالات توزيع القوَّة والثروة، وهي لحظةٌ دوليةٌ تتَّسم بسيولةٍ جيوسياسية، وتغيُّراتٍ عميقةٍ في بِنية النظام الدولي، الأبرز فيها هو هذا الصُّعود الصِّيني من داخل أزمة العولمة ذاتها، فقد استفادت الصِّين من الانفتاح الاقتصادي ونقل التكنولوجيا، دون التورُّط في النَّمط القيمي والمؤسَّسي الغربي، وهو ما أهَّلها للطموح إلى استعادة موقعها التاريخي دون التَّمَاهِي مع الآخر.

وقد ألَّف الكاتب الفرنسي “آلانباور” كتابه: “الصِّين: انتقام الإمبراطورية” في فيفري 2026م، وهو كتابٌ جديرٌ بالدِّراسة التحليلية، وقد قدَّم الدكتور “كريم الماجري” قراءةً نقديةً له بمجلة “لباب” للدراسات الاستراتيجية في عددها 30 لشهر ماي 2026م، وهي الدورية المحكَّمة التي يصدرها مركز الجزيرة للدراسات، والذي يتحدَّث فيه عن ثلاثة مستويات مترابطة، وهي: استمرار الصِّين ببُعدها الإمبراطوري، ومشكلة الغرب في فهم الصُّعود الصِّيني، وأدوات القوة الصِّينية، وتحوِّلها إلى مؤثِّرٍ حقيقيٍّ في إعادة تشكيل النِّظام الدَّولي الجديد، وتغيير موازين القوَّة فيه.
ويشير مصطلح “انتقام الإمبراطورية” إلى الاستراتيجية طويلة المدى التي تبَنَّتها الصِّين الحديثة لاستعادة مكانتها العالمية، عبر استراتيجية “الصُّعود بصمت”، وذلك ردًّا على ما يُعرف تاريخيًّا بقرن الإذلال (1842م– 1911م)، والذي مثَّل نهاية النِّظام الإمبراطوري الصِّيني سنة 1912م، والذي دام ألفي عام على يد القوى الغربية.
ويتحدَّث الكتاب عن الصِّين بوصفها قوَّةً دوليةً صاعدةً، استطاعت توسيع مفهوم الإمبراطورية وتوظيف أدوات العولمة في تعزيز موقعها، والتركيز على تضخيم التماسك الاستراتيجي لها، ممَّا جعلها ظاهرةً متعدِّدة الأبعاد، جمعت في تركيبتها بين الامتداد التاريخي والجغرافي إلى التنافس الحضاري العميق، وعملت على التوفيق بين “مركزية الدولة” و”إحياء منطق الإمبراطورية” في شكلٍ جديد، وفرضت أسئلةً جوهريةً حول طبيعة القوة وحقيقة التحوُّلات الدولية، فأصبحت عنوانًا بارزًا في الثأر من الغرب، ولكن بنَفَسٍ طويل وصبرٍ استراتيجيٍّ لافت، يؤكِّد على تلك الفلسفة الأبدية، وهي أنَّ العلاقات الدولية هي المجال الحيوي للتنافس الدائم بين الكتل الحضارية.
ولا تزال مشكلة الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا في فهم “الظاهرة الصِّينية” داخل حقل العلاقات الدولية تكْمُن في اختزالها في مفهوم الدولة القومية بالمعنى الغربي الحديث كأداةٍ تفسيرية لها، وكأنها فاعلٌ حديثٌ نشأ في إطار النظام الدولي الحالي، في حين تتجلَّى الحقيقة في فهم السُّلوك الصِّيني في اعتماد مفهوم “الإمبراطورية” ككيانٍ تاريخيٍّ ممتد، جعلها تجمع بين السِّيادة والانخراط في العولمة، وبين المركزية السِّياسية والانفتاح الاقتصادي، وبين المرونة في السِّياسة الخارجية وتوظيف الذَّاكرة التاريخية والبُعد الحضاري المتميِّز لها.
ويرى الكاتب أنَّ الصِّين لا تنظر إلى العولمة كنظامٍ قيميٍّ متماسك، بل هي مجردُ فضاءٍ مفتوحٍ للأدوات والاستراتيجيات، فهي ماهرةٌ في توظيف العولمة دون الخضوع إلى منطقها المعياري، وهي تؤمن بأنَّ هذه العولمة ليست نموذجًا غربيًّا متجانسًا في السِّياسة والاقتصاد كما تحاول تسويقَها الأدبياتُ الليبرالية، بل هي فضاءٌ لنقل التكنولوجيا والمعرفة، وفتح الأسواق للفاعلين والمنافسين، وهو ما وضعها ضمن أنموذج “العولمة الانتقائية”، فتتبنَّى ما يقوِّي بُعدها الاقتصادي، وترفض ما يمسُّ بخصوصيتها الحضارية، وتقاوم ما يهدِّد تماسك نظامها السِّياسي.

  لا تنظر الصِّين إلى العولمة كنظامٍ قيميٍّ متماسك، بل هي مجردُ فضاءٍ مفتوحٍ للأدوات والاستراتيجيات، فهي ماهرةٌ في توظيف العولمة دون الخضوع إلى منطقها المعياري، وهي تؤمن بأنَّ هذه العولمة ليست نموذجًا غربيًّا متجانسًا في السِّياسة والاقتصاد كما تحاول تسويقَها الأدبياتُ الليبرالية، بل هي فضاءٌ لنقل التكنولوجيا والمعرفة، وفتح الأسواق للفاعلين والمنافسين، وهو ما وضعها ضمن أنموذج “العولمة الانتقائية”، فتتبنَّى ما يقوِّي بُعدها الاقتصادي، وترفض ما يمسُّ بخصوصيتها الحضارية، وتقاوم ما يهدِّد تماسك نظامها السِّياسي.

لقد كان الاستعراض العسكري للصِّين يوم 03 سبتمبر 2025م مشهدًا رمزيًّا مكثَّفًا، ورسالةً بصريَّةً مشحونةً بالدلالات، قد اعتُبِر فيه هذا التاريخُ استعراضًا إمبراطوريًّا سياسيًّا مركَّبًا، تداخل فيه الماضي بالحاضر، جمع بين البُعد التاريخي والتطلُّع الاستراتيجي، لتعيد الصين صياغة علاقتها بذاتها وبالعالم عبر فكرة الاستمرارية الحضارية في مواجهة المنظومة الغربية، والانتقال من “الصَّبر الاستراتيجي” بقوَّتها الاقتصادية النَّاعمة، إلى التكشير عن أنيابها بالاستعراض العسكري لقوَّتها التقنية الصَّلبة، وهو تعبيرٌ صارخٌ على امتداد الإرث الإمبراطوري الذي تُعيد إنتاجه بالأدوات المعاصرة، وهو ما قدَّم الصين بوصفها “حضارة إمبراطورية” تستبطن تاريخها العريق في سلوكها الحالي اتجاه الغرب، وأنَّ “الحَدَث” يؤشِّر على العودة الواعية لفكرة الإمبراطورية ككيانٍ حضاريِّ متكامل لها، يستعيد مكانتها ضمن خصوصيتها الهوياتية، وفي الوقت ذاته يثبِّت مكانتها الدولية ضمن رمزية العودة إلى الإمبراطورية بالانتقام الهادئ والصَّبور.
ثم يتحدَّث الكتابُ عن أدوات القوة التي مكَّنت الصِّين من التحوُّل إلى فاعلٍ رئيسيٍّ مساهمٍ في تشكيل موازين النِّظام الدولي الجديد، وهي التي أعادت صياغة علاقات القوَّة، انطلاقًا من الأبعاد الاقتصادية، إذ أصبحت السَّيطرة على سلاسل الإنتاج والتوريد، والتحكُّم في الموارد والتكنولوجيا، وترسيخ الحضور في الصِّناعات الاستراتيجية من أهمِّ عناصر الحسم في بناء النُّفوذ السِّياسي العالمي، والممارسة الفعلية للقوَّة، بما يجسِّد مضمون هذا “الانتقام الإمبراطوري”.
لقد تبوَّأت الصِّين مكانةً دولية، مكَّنتها من إعادة تشكيل الجغرافيا الإستراتيجية، إذ جسَّدت حضورها الخارجي عبر شبكةٍ من المبادرات الاقتصادية، أبدعت في إنتاج أنماطٍ جديدة من الترابط الدولي، مثل مبادرة الحزام والطريق، عبر منشآت الموانئ والممرَّات التجارية وشبكات الطاقة والبِنية الرَّقمية، وهي من الآليات النَّاعمة في إعادة صياغة العلاقات الدولية على قاعدة المصالح المتبادلة والمشتركة، بالتداخل بين الاقتصاد والسِّياسة، بخلاف المقاربات الغربية المبنية على غرور القوَّة عبر الاحتلال والتدخُّل العسكري وفرض التبعية بالقوَّة الخشنة.
إنَّ هذا الصُّعود الصِّيني جعل الغرب يفقد التوازن في استراتيجية التعامل معه بين الاحتواء أو التكيُّف، ويتأرجح بين الاتفاق أو المواجهة، ويتردَّد بين التعاون الاقتصادي أوالقلق الاستراتيجي، وهو الارتباك الذي يجسِّد غياب التصوُّر النَّاجع اتجاه الصِّين، بين اعتبارها شريكًا اقتصاديًّا أو منافسًا استراتيجيًّا أو مصدرَ تهديدٍ بنيوي.
لقد مثَّلت مسألة صعود الصِّين مشكلةً فكرية وعملية للغرب، بعد تحوُّل هذا الغرب من مركزٍ أوحدٍ في وضع القواعد الدولية، إلى فاعلٍ يسعى إلى التكيُّف مع هذا النَّموذج الصِّيني المختلف في الفلسفة السِّياسية والمرجعية الفكرية، وهو ما يؤثِّر على هويَّة النِّظام الدولي وبنيته الفكرية، ويجعل هذه التحوُّلات الدولية تتَّسم بعدم اليقين.
لقد كشفت القراءة النَّقدية لهذا الكتاب: “الصِّين.. انتقام الإمبراطورية” عن تجاوز تفسير صعود الصِّين، والذي يجسِّد مشروع “الليبرالية البائسة”، ويقدِّم نقدًا منهجيًّا لهذه العولمة التي أفرزت اختلالاتٍ بنيويةً للنِّظام الدولي في هذا الزَّمن الأمريكي المختلّ، وتحوُّل هذا الصُّعود إلى نفوذٍ عالمي، تبلورت فيه فكرة “الانتقام الإمبراطوري”، والاستعادة التدريجية لتلك المكانة التاريخية عبر توظيف أدوات العولمة نفسها.
لقد أعطى النَّموذجُ الصِّيني مثالاً عن تغيُّر مفهوم القوَّة، والذي انْزَاحَ نحو تداخل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، مما جعلها ظاهرةً متعدِّدة الأبعاد، تجمع بين “الدولة القومية” والامتداد الحضاري والفاعلية الاقتصادية والطموح العالمي لإعادة صياغة العلاقات الدولية على مبدأ السِّلم وليس الحرب.
لقد تغيَّر مفهومُ القوَّة بعد الحرب الباردة، وهو القدرة على تحقيق المصالح في نظامٍ متعدِّد الأقطاب، والتي تشمل القوَّة الصَّلبة والنَّاعمة والذَّكية، مع تزايد التركيز على البُعد الاقتصادي والتكنولوجي، وقد أدَّى هذا الصُّعود الصِّيني إلى سيولةٍ جيوسياسية، وهي الدِّيناميكية في النِّظام الدولي، والتي تتَّسم بتغيُّر التحالفات وتوزُّع مراكز القوَّة وتنوُّع أدوات النُّفوذ.
إنَّ مسألةَ “دُنُوِّ نهاية الزَّمن الأمريكي” هي عمليةٌ تراكمية معقَّدة، وهي حتمية، وليست مجردَ لحظةِ ضعفٍ عابرة، ويتجلَّى ذلك في تراجع القدرة الأمريكية على فرض سردياتها للهيمنة كما في السَّابق، والفقدان التدريجي للاحتكار السِّياسي والاقتصادي، وحتى العسكري والأمني والتقني، وقد تجلَّى ذلك في الصَّدمات الجيوسياسية الأخيرة، كالعملية العسكرية الرُّوسية في أوكرانيا، ومعركة طوفان الأقصى في غزة، والحرب الأمريكية- الصُّهيونية على إيران، والتنافس الأمريكي الصِّيني على الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما يؤشِّر على هشاشة الأنماط التقليدية للهيمنة، ويؤكِّد على إعادة توزيع مراكز القوَّة والنُّفوذ دوليًّا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!