عالمٌ درْوَشناه
نظمت بلدية يسّر ولاية بومرداس في يوم الخميس 7. 5. 2026 نشاطا ثقافيا، وقد دعتني عن طريق فضيلة الشيخ محمد نور، شيخ زاوية الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ محمد نور ينطبق عليه قول الشاعر:
وقلّما أبصرت عيناك ذا لقبٍ إلا ومعناه –لو فكّرتَ- في لقبه
كان محورُ ذلك النشاط هو الحديث عن عالم جليل هو الشيخ عبد الرحمن الثعالبي الذي أنجبته تلك البلدة في عام 786 هـ 1385م، أو في “عصر ما بعد الموحّدين” كما يقول الأستاذ مالك ابن نبيّ؛ إذ انقسمت دولة الموحّدين إلى ثلاث دول: الحفصية والزيانية والمرينية، إضافة إلى دويلات الطوائف في الأندلس، وكلُّ ذلك أذهبَ ريحَ المسلمين، وكان شعارُ الجميع “يا حبّذا الإمارة ولو على الحجارة”.
كان الشيخ عبد الرحمان الثعالبي حسيبًا نسيبًا، فالحسيبُ هو من دخل التاريخَ بأعماله المتميزة، والنسيبُ هو ذو النسب العريق والمجد الوثيق، إذ كانت لأسلافه “إمارة الثعالبة” في هذه المنطقة وما حولها.
درس في مسقط رأسه، وفي بجاية، وفي تونس، وجاورَ في الأزهر والحجاز، وزار الشام وتركيا فاستفاد وأفاد، ورجع إلى تونس حيث كان أعلمَ من فيها بالحديث النبوي الشريف. ثم قفلَ راجعًا إلى بلدته يسّر، وفي أثناء مروره على مدينة الجزائر الصغيرة آنذاك، سمع فتى يقرأ قوله تعالى: “بلدةٌ طيبة وعبدٌ شكور”، فتفاءل بما سمع، وألقى عصا التسيار في مدينة الجزائر التي صارت تُنسب إليه لعلمه وورعه، فسُمّيت “مدينة سيدي عبد الرحمن”.
ترك الشيخ عبد الرحمن –حسب بعض الروايات- ما يقارب تسعين كتابا في مختلف العلوم، ولكنّ أكثر الجزائريين درْوَشوه، فهجروا علمه، وارتكبوا في ضريحه بِدعًا، ونسبوا إليه خرافات وأساطير كقول بعضهم “إنّ بقرته أكلت أسدَ أحد زوّاره”. (انظر عن هذه الخرافة كتاب: عبد الرحمن الثعالبي والتصوّف، للدكتور عبد الرزّاق قسّوم. ص22). وقد أورد هذه القصّةَ الخرافية المستشرقُ الفرنسيُّ هنري كلاين، وما يزال يردِّدها بعضُ من يحملون لقب “بروفيسور”، ولستُ أدري إن كان مؤمنًا بها أم متاجرًا؟!
لقد تلقّى العلمَ عن الشيخ الثعالبي كثيرٌ ممّن أصبحوا من كبار العلماء، من أشهرهم الإمامان أمحمّد بن يوسف السنوسي صاحب “العقيدة السنوسية”، ومحمد بن عبد الكريم المغيلي الذي تزوّج ابنة أستاذه… ولهذا العالم الجليل قصّةٌ مشهورة مع “يهود منطقة توات”، وكان مستشارًا لأحد سلاطين دولة سُنغاي، في إحدى دول الساحل الإفريقي حاليًّا.
كان الأولى أن تُسمّى جامعة بومرداس باسمه، وكان المفروض أن يطلق اسمُه على مؤسسات دينية أو مدرسية، وشكرا لإخوتنا في مدينة راس الواد ولاية برج بوعريريج الذين يبنون الآن مسجدا كبيرا باسم الشيخ الثعالبي.
وقد اقترحتُ على بعض مسؤولي ولاية بومرداس إقامة ملتقى وطني أو دولي عن الشيخ عبد الرحمن، وإعادةَ طبع ما طُبع من مؤلّفاته كـ”الجواهر الحسان في تفسير القرآن” و”الأنوار في آيات النبي المختار” في سيرة المصطفى، وطبعَ ما لم يُطبع من هذه الآثار، فهذه الكتبُ أولى بالنشر من بعض الكتب، كذاك الكتاب الذي صدر مؤخرا عن “مغنّية!!!” بقلم أستاذ جامعي ونُشر في ثلاث عواصم عربية وهي الجزائر والقاهرة وبيروت.
تُوفّي الثعالبي في 875 هـ 1471م.