-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من بعيد

أثرياء باكستان… وفقراء بريّان

أثرياء باكستان… وفقراء بريّان

كل القرارات التي تتخذها بعض الدول المسلمة يمكن أن تقبل من الغرب الاستعماري، إلا إذا تعلق الأمر بإعداد القوة أو بلوغ أسبابها، سواء أكانت تلك القوة ماديّة أو روحيّة، ولنا في العراق سابقا خير مثال وفي إيران وباكستان اليوم مثالين آخرين، ولن أتطرّق في هذا المقال إلى إيران، لكونها حالة خاصة، يمكن تناولها في المستقبل، وإنما سأركز على باكستان بعد التطورات الأخيرة، محاولا ربط ذلك بالأحداث المتراكمة في برياّن.

  • ليس من باب التهويل إذا ما اعتبرنا التطورات الأخيرة في باكستان هدفها التطويل من عمر فتنة بدأت مع الرئيس السابق »برويز مشرف«، حين اختار التحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد طالبان في أفغانستان، مع أن الرّجل أحدث تغييرا حاسما لصالح بلاده عند وصوله إلى السلطة في وقت انتشر فيه الفساد حتى بلغ الذروة بين الأحزاب السياسية، وإنه لأمر غريب حقا أن تنتهي القيادات الوطنية في دول العالم الإسلامي بعد التغيير إلى التحالف مع قوى خارجية ضد مشاريعها الوطنية… المهم بالنسبة لنا هنا أن أمريكا اعتبرت باكستان خلال سنوات حربها على الإرهاب ـ كما تدعي ـ حليفا استراتيجيا، ومهّدت لإقامة علاقة بينها وبين إسرائيل، ظهرت في اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين.
  • نتيجة لذلك التحالف، حدث أمران، الأول: العمل من طرف السلطات الباكستانية على حماية السلاح النووي الباكستاني، وهذه قد تكون بداية في تاريخ الصراع تستحق الاهتمام والدراسة، إذ أن توفر القوة هو الذي يحمي الدول، وليس العكس، ومبرر صانع القرار هناك هو الحرص على إقامة علاقة مميّزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة وضع فيها العالم الجليل أبو القنبلة النووية الباكستانية »عبد القدير خان« تحت الإقامة الجبرية، واتهم بتعاونه في مجال اختصاصه مع كلّ من ليبيا وإيران، وانتهت الأمور لجهة صراع القوة في تلك المنطقة من العالم لصالح الهند
  • الأمر الثاني: إعادة النظر في هويّة باكستان الإسلامية ليس من خلال الإلغاء أو التشكيك في أهميتها، وإنما بإيجاد نوع من الصراع الداخلي ظهر في البداية على شكل حاجة لرفض الرؤى والتصورات المتطرّفة، خصوصا بعد أن وظفت الجغرافيا لصالح الجامع بين القبائل في المناطق الحدودية المشتركة مع أفغانستان، ما يشي بحرب ضروس في المستقبل قد تؤدي ـ ما لم يحدث تغيير مفاجئ ـ إلى تقسيم باكستان.
  • وهناك اعتقاد سائد لدى بعض من السياسيين الباكستانيين وحتى العامة من أنّ اغتيال »بنازير بوتو« كان الهدف منه التعجيل بالحرب الداخلية، وقبلها أحداث المسجد الأحمر، ومع ذلك كلّه فإن القلق الآن ليس من الصراع الدّاخلي الذي بلغ الذّروة، ولا من الهوة الواسعة بين تيار علماني عسكري قوي وبين جموع من المسلمين تتحكّم في الشارع وتناصب أمريكا العداء وألفت علاقة مودة مع أخوانها من طالبان أفغانستان، وهو ما ساعد على قيام طالبان باكستان، وإنما من تلك المقولة التي جاءت في شعر العلامة الباكستاني الراحل »محمد إقبال«” الذي رأى أنه لا حياة لمن لم يحي دينه، بل إنه لا أمان إذا غاب الأمان من حياة البشر، لنستمع إليه بأذن واعية وهو يقول:
  • إذا الإيمان ضاع فلا أمان
  •            ولا دنيا لمن لم يحي دينا
  • ومن رضي الحياة بغير دين
  •            فقد جعل الفناء لها قرينا
  • وفي التوحيد للهمم اتحاد
  •            ولن تبنوا العلا متفرقينا
  • تساندت الكوكب فاستقرّت
  •            ولولا الجاذبيّة ما بقينا
  • مشكلة أمريكا اليوم مع باكستان، هي تطبيق الشريعة في إقليم »سوات«، ورسالة إدارة أوباما لهذا البلد المسلم جاءت واضحة من خلال موقف وزيرة الخارجية الأمريكية »هيلاري كلينتون«، وأتصور أن تلك خطورة ستواجهها كل الدول الإسلامية إذا اقتربت من تطبيق الشريعة، لكن هذا لا يعني أن حكامنا على حق  في ابتعادهم عن الدّين، بدليل أن الذين تخلّوا منهم على شروط الإيمان وضروراته وعالمه لم يقبلوا بهم ولم يرقبوا فينا إلاًّ ولا ذمة، ولم يفلحوا من خشيهم لـ(عيلة) ظهرت في مؤتمرات المانحين التي ادعى أصحابها دعمنا بعد احتلالنا وتدمير دولنا في حروب ظالمة، وبمشاركة دول عربية ومسلمة، وقد رأينا هذا في عدد من المؤتمرات شملت باكستان، غزّة، لبنان، العراق، أفغانستان، حسب الترتيب التنازلي.
  • الضغوط الأجنبية، يمكن التصدي لها بمجرد وصول جماعة مؤمنة واعية إلى الحكم، لهذا لا أتخوّف من مواقف أمريكا من باكستان اليوم بالرّغم من خطورتها، لكن الذي يخيفني حقا هو ما ذكرته الوكالات من قيام أثرياء باكستان بالتسلّح لمواجهة الجماعات المتطرّفة، وهذا يعني غياب سلطة الدولة، وقد ذكرّني هذا بوضع الجزائر حين اشتد الإرهاب، كما يعني أيضا وجود مشروعين مختلفين في باكستان، لا يمكن مد الجسور بينهما، خصوصا بعد أن استعان أحدهما بالقوة الأجنبيّة… لكن ما علاقة كل هذا بفقراء بريّان في الجنوب الجزائري؟
  • بداية، تضخّم أطروحات الجماعات والأحزاب السياسية في باكستان يقابل بضحالة فكرية ظهرت في أحداث بريّان الأخيرة، إلى درجة المسغبة، لكن النتيجة واحدة في العالم الإسلامي، ففي باكستان هناك أقليم سوات وفي الجزائر هناك إباضية تمثل تاريخنا الديني منذ أن قامت الدولة الرستميّة وهي أقرب إلى مذاهب أهل السنة والخلاف هنالك ليس بين مالكية وإباضية كما يروّج له؛ ذلك لأن معظم الجزائريين يعرفون جماعة تسمى »بني ميزاب« ولا يعرف الإباضية إلا النخبة، إنما هو خلاف بشري من أجل مصالح دنويّة، وللعلم قد  حاولت أن أنأى بعيدا عن هذا الخلاف الموجود في الجزائر لوجودي خارج الوطن، غير أن كثيرا من القراء راسلوني راجين معرفة رأيي في الحدث،
  • أقول للجميع، إني لا أملك المعطيات الكاملة بخصوص أحداث بريان، إلا ما قرأته منشورا في الصحافة، وما وصلني عبر رسائل القراء يخالف ما جاء في مختلف وسائل الإعلام، لكن لأتحدث عن تجربتي الخاصة في علاقة بالميزابيين، فقد عرفت كثيرين بشكل مباشر، أذكر منهم زميلي في مرحلتي الإعدادي والثانوي »ويرو الحاج يحي إبراهيم« وكان من أروع الأصدقاء ولاتزال علاقتنا قائمة إلى الآن على الأقل على مستوى تبادل رسائل السلام، فقد ترك الجامعة، واشتعل بالتجارة.
  • وتتلمذت على الأستاذ الفاضل »محمد أبو العلا« وكان مربيّا فاضلا بكل المقاييس، فمنه اكتبسنا اللغة العربية والجدّية في العمل وحين كان يدرّسنا المذاهب الأدبية، ويأتي على شعر الغزالة الحرورية مثلا لم نشعر لحظة أنه من مذهب آخر، وما كان هو يتطرق إلى هذا الموضوع، وكان همّه إلمامنا بالتراث العربي، وكذلك الحال بالنسبة لأستاذ الفلسفة »حسن بيوض«، الذي ترك بصمته على كل تلاميذه، وكان الرّجل يعاني الأمرّين من الجميع من أجلنا.  
  • وحين أصبحت صحافيا أعددت ملفا عن الإباضية بعد أن تعرّفت عن الحاج لمنور باسليمان، الرجل المجاهد، وقد زرت غرداية لأول مرة في حياتي، وهناك أقمت أياما وتعرّفت بشكل نسبي على المجتمع االميزابي من الداخل وصلّيت مع الإباضية داخل بيوتهم، وفي مسجدهم صلّيت معهم صلاة الجمعة، وكم كنت سعيدا بتلك الزيارة… المهم اكتشفت من يومها أننا ورثنا تراثا نحن والمزابيين مشوّها يقوم على قاعدة جهلنا لحياتنا المشتركة نحن المسلمين، وقد آن الأوان لتغيير ذلك النّمط من العلاقة، إذ لا يعقل أن نظل بعيدين عنهم أو في صراع دنيوي معهم، وهم يحملون في صدورهم كتاب الله سبحانه وتعالى، ويمكننا تحويل الدماء التي سالت في بريان إلى ربيع أخضر لجهة التجلي لنا ولهم.
  • ما أثار أمريكا حول تطبيق الشريعة في أقليم سوات الباكستاني، هو الذي سيثيرنا حول الصراع بين سكان بريان… إني أرى خطرا قادما لتقسيم الجزائر سيكون مدخله منطقة القبائل أو منطقة الصحراء، والحل في عودة الدولة قوية، في كل الدول المسلمة، ولن يكون ذلك إلاّ سادت لغة التعارف وأسلوب الحوار، وابتعدنا عن احتكار الإيمان، وصفت القلوب، وإلا فلننتظر بلوغها الحناجر في مستقبل آراه قريبا.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!