الرأي

أثرياء ومدلّلون!

تتعامل السلطة في الأيام الأخيرة، بكثير من الحذر ولا نقول حكمة، مع أثرياء البلاد الذين ذاع صيتهم بذخا ومالا، حتى خارج الحدود، فهي تارة تعطينا أرقام الزكاة المجهرية التي جمعتها عبر مختلف أنحاء الوطن، فلا تكاد قيمتها المالية تملأ بطون مجموعة من المحتاجين، وتارة أخرى تتحدث عن إمكانية إعفائهم من الضرائب التي تهرّبوا من دفعها على مدار عقود، بالرغم من دعم الدولة لهم ماديا وإداريا، من خلال التسهيلات التي تلقوها دائما، فضلا عن تردّدها في فرض ضريبة الثروة التي تأرجحت بأرقامها بين النازل والصاعد، وقد تتبخر نهائيا.

ونحسّ من خلال هذا التردد، بأن الثري هو ابن مدلّل للسلطة، فهي تتعامل معه بحذر، إلى درجة أنها مستعدة للالتفات إلى جيوب البسطاء لتعويض الملايير الضائعة، بسبب انهيار سعر النفط دون الحسابات الجارية بالعملة الوطنية والعملة الصعبة لأثرياء البلاد، الذين لا يشبهون “تاريخا وجغرافية ولا شكلا ومضمونا” أثرياء بلاد العالم.
المتصفح لوثيقة مشروع قانون المالية الجديد وما قبله، يلاحظ أن السلطة تتفادى الإحراج، ولا نقول الصدام مع الأثرياء، فهي تعلم بأن المستفيد الأول من سياسة “السوسيال” هم الأثرياء، وتعلم بأن الرابحين في سياسة دعم المواد الأولية التي تقتنيها الدولة بالعملة الصعبة، هم الأغنياء، ومع ذلك ترفض اتباع سياسات خارجية ناجحة، فرقت بين البسيط والثري، من أجل أن تمنح للأول المساعدة بعيدا عن جشع الثاني، فكان أن تحوّلت المساعدة والدعم بالكامل إلى حسابات الأثرياء الذين يرفضون توقيف مشاريع السكن الاجتماعي، ويرفضون رفع الدعم عن الخبز والسكر والحليب والدواء، ويرفضون حتى قبر مطاعم الرحمة وقفة رمضان ومنحة التمدرس، ليس تضامنا مع الفقراء وإنما لأنها تصب بعائداتها، في حساباتهم الجارية بالعملتين الوطنية والصعبة.
سيجد صاحب سيارة “الدوشيفو” وراكب حافلة “طاطا” نفسه مجبرا على دفع مزيد من المال، من أجل التنقل من مكان إلى آخر، بسبب رفع سعر الوقود، ولن يجد صاحب سيارة “الملياري سنتيم” نفسه مُحرجا ماليا في قانون المالية الجديد من دفع أكثر مما يدفع صاحب السيارة البالية، أو الذي لا يملك أصلا سيارة، ولا نظن أن الحال ستتغير، خاصة أن الزحف الأخير على المجالس الوطنية والبلدية والولائية، كان برائحة المال، وعندما تضع التشريع في يد الأثرياء، فلا تنتظر أن يعاقب الرجل نفسه أو حتى يحاسبها.
كل بلاد العالم عندما تشتد بها المحن تلتفت إلى الذين اكتنزوا المال من جهدهم ومن المحن، وعندما قال الوزير الأول السيد أحمد أويحيى بصريح العبارة لأثرياء البلاد: “عاونونا ونعاونوكم” فهمنا أن طلب الإعانة كان كردّ جميل، لبلد حطّم رقما قياسيا عالميا في مدة بناء الأثرياء وتكاثرهم مثل الطفيليات، حتى صار أمام كل ثري ثري آخر، كلهم بدؤوا من الصفر ومن دونه، وتعلموا الرماية فعلا، وعندما اشتد ساعدهم رموا… البلاد!

مقالات ذات صلة