أثمّن ما ينبغي الحرص عليه…
تُكلِّف تربية شاب من الولادة إلى سن السابعة عشر في الولايات المتحدة ما قيمته 300 ألف دولار. أورد هذه الإحصائية معهد “بوروكينز” الأمريكي ونشرتها جريدة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية في عددها الأخير. تقول هذه الإحصائية أنه نتيجة التضخم الحاصل في هذا البلد منذ أربع سنوات، زادت تكلفة تنشئة طفل إلى 18271 دولار سنويا، وزاد المبلغ في السنتين الأخيرتين بنسبة 9 من المائة.
وما ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية ينطبق على بقية دول العالم بِنِسَبٍ مختلفة حسب درجة ثراء الدولة ومستوى دخل الفرد فيها. وفي كل الحالات سواء تعلق الأمر ببلد فقير أو غني، بأسرة فقيرة أو غنية، فإن أكثر ما ينفقه الأولياء يكون على تنشئة أبنائهم، أي أن غالبية دخل الأسر في أي بلد كان إنما يُنفَق على الأبناء…
تصوّروا معي أن هذه القيمة ستتضاعف مرات عدة إذا ما تمت تربية وتكوين الطفل إلى غاية تَخرُّجه من الجامعة، وتَصوّروا معي كم ستكون تكلفة هذا الطفل إذا ما تم تدريبه لفترة زمنية معينة… وأضيفوا إلى هذا لو أنه أصبح اختصاصيا مُتَمرِّسا في مجال من المجالات الحيوية، كالمعلوماتية أو الجراحة أو الهندسة بمختلف فروعها أو أي علم آخر من العلوم الدقيقة والاجتماعية… وفي لحظة معينة يتم دفعه دفعا إلى مغادرة بلده جاهزا للعمل في بلد آخر، أو يتم استدراجه لذلك بمختلف الطرق وبسياسات مدروسة لها أذرعها في الداخل والخارج، ماذا يعني ذلك؟ أليست خسائر بملايير الدولارات؟ أليس استنزافا مُمَنهَجًا للطاقات؟ أليس ذلك أكبر من سرقة الطاقة والمواد الأولية والثروات الأخرى؟ ألا نتعرض لهذا يوميا؟ ألا يُسلِّط هذا الكثير من الضوء على طبيعة الأزمات المُفتَعَلة في بلداننا، وعلى مَن هم وراءَها وكيف تتم إدارتها، ولماذا تبدو وكأنها بلا نهاية؟
يبدو أننا نعيش بالفعل مرحلة زمنية أصبحت فيها الثروة البشرية بالفعل هي المستهدف قبل أية ثروات أخرى، بل هي الأداة التي من خلالها يتم استنزاف باقي الثروات.
إذا استُنزِفت ثروتك البشرية فإنك ستضطر اضطرارا إلى بيع ثرواتك الباطنية خاما، مادامت العقول التي ستستخدمها قد هاجرت، وإذا استنزفت ثروتك البشرية فإنك لن تستطيع تجديد بنائك الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولا أن تعرف تطوّرا في أي جانب من جوانب الحياة، بل إن كل ما تُنفقه سيكون زيادة في رصيد الآخرين، تضحيات أسر بكاملها لسنوات عدة ستستفيد منها أمم أخرى، وكل عرق جين الفقراء سيزيد من قوة الأثرياء في الطرف الآخر الذين هَيَّؤوا كل الظروف لديك ولديهم لتتم هذه السرقة الكبرى.
لذلك، لا يكفي لبلداننا أن تكون لها سياسة قطاعية تجاه الشباب، إنما عليها أن تعتمد إستراتيجية وطنية شاملة وبعيدة المدى لمنع هذا النزيف، ولإفشال هذه المناورة الخبيثة تجاه جزء كبير من طاقاتنا الحية.
إن أهل مكة أدرى بشعابها، وكل في مجاله وقطاعه، يَعرف نوعية الشباب المستهدَف من قبل الآخرين، ويعرف الظروف والضغوط التي يمر بها، ويعرف طبيعة الإغراءات والعروض التي يتم بها استدراجه، وقبل ذلك يعرف الأسباب التي جعلته مُعرَّضا للاستدراج وقابلا للهجرة، وأن يضع لها حدا ضمن رؤية شاملة وواعية لما ينبغي علينا القيام به.
دون ذلك، دون وجود مثل هذه الإستراتيجية المضادة لحماية أبنائنا، فإن كافة الجهود المبذولة لأجل التعليم والتكوين ستكون مخرجاتها في يد آخرين. سيجدون في كل مرة أساليب جديد لاستغلالنا، وأساليب جديدة لإبقائنا تحت سيطرتهم. ونحن نريد أن نستكمل تحررنا بعقول وسواعد شبابنا، بعد ما أدى الآباء والأجداد دورَهم في معركة السلاح المظفرة. ورحم الله الشهداء.