أجواء صيفية في عز الشتاء تُـقلـق الجزائريين
تعيش الجزائر هذه الأيام، أجواء مناخية استثنائية في عز الشتاء مع ارتفاع محسوس في درجات الحرارة التي قاربت تلك التي تسجل عادة أوائل أيام فصل الصيف حيث وصلت في بعض المناطق الساحلية إلى 26 درجة مئوية، وقد تعدت بولايات أخرى 28 درجة، ما جعل الكثيرين يخفّفون من ملابس الشتاء، في وقت تسجّل هذه الأيام ارتفاع في حالات الإصابة بالأنفلونزا الموسمية، مقابل تخوّف الفلاّحين من شبح الجفاف.
واعتبر في هذا الشأن فلاّحون ومختصون في القطاع الزراعي، حالة شح الأمطار التي تعيشها الجزائر هذه الأيام بعد مرور أيّام على حلول فصل الشتاء بالموازاة مع النماذج الرقمية للطقس التي تحدثت عن توقعات باستمرار الحالة الجوية المرفقة بـ “القحط” إلى غاية الأيام الأولى من شهر جانفي الداخل، أنّ الأمر غير مؤثر على المردود الفلاحي في الفترة الحالية، ولا يمكن دق ناقوس الخطر إلا بعد منتصف شهر جانفي في حال استمرار الوضع الجوي الاستثنائي الذي أضحى يتكرر كل موسم.
درجات الحرارة فاقت معدلها الفصلي بقرابة 15 درجة مئوية
واعتبر رئيس قسم التنبؤات بالديوان الوطني للأرصاد الجوية، حاسين نبيل، الأوضاع الجوية التي تعيشها الجزائر هذه الأيام، استثنائية لم تشهدها منذ زمن طويل لاسيما مع ارتفاع في درجات الحرارة القصوى التي فاقت معدلها الفصلي بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15 درجة مئوية بمختلف المناطق الشمالية للوطن، حيث سجلت بالسواحل 26 درجة مئوية ووصلت ببعض المناطق إلى 27 وحتى 28 درجة مئوية.
وأضاف المتحدّث أن الفترة الأخيرة، سجل خلالها كميات أمطار شحيحة أو انعدامها بالمرة، والشيء المقلق يقول هو استمرار هذه الأجواء الصيفية إلى غاية أوائل شهر جانفي المقبل على أقل تقدير، مرجعا الحالة الجوية هذه إلى تمركز مرتفع جوي قوي جدا، يمنع مرور كل الاضطرابات إلى شمال إفريقيا وخاصة الجزائر، في حين يبقى تمركزها يتدحرج ما بين اسبانيا والبرتغال ويصل تأثيرها إلى غاية الصحراء الغربية وموريتانيا باستثناء الجزائر وتونس..
وفي ردّه على سؤال “الشروق” بخصوص تغيرات النماذج الرقمية للطقس وعدم استقرارها في فترات قصيرة، أكد المتحدث ذاته، أن التغيرات الآنية وفي فترات زمنية وجيزة، يؤدي إلى تحول البيانات، مشيرا أنه سجل العام الماضي خلال شهر نوفمبر أمطار كثيفة وصلت على سبيل المثال بالعاصمة إلى 600 ملم وعرف شهر ديسمبر توقفا في التساقط لكن استدرك الوضع خلال الشهور اللاحقة، في حين لم تشهد الفترة الماضية خلال السنة الجارية الكثير من الاضطرابات الجوية سوى تلك القليلة جدا خاصة بشرق الوطن ولم تتعد كميات التساقط بها 30 ملم.
على الفلاّح التكيّف مع المتغيرات والبحث عن المخارج
وأوضح الخبير الفلاحي والمستشار السابق بوزارة الفلاحة، أحمد مالحة في تصريح لـ”الشروق”، أن الأوضاع المناخية التي تعيشها الجزائر من شح للأمطار وغياب أي اضطرابات جوّية منذ ما يقارب الشهر وامتداد ذلك إلى بدايات فصل الشتاء، أنّ الأوضاع هذه لا تؤثر على النشاط الفلاحي أو منتجاتها في الوقت الراهن ولا يمكن الحديث عن تأخر للتساقط إلى منتصف جانفي المقبل في حالة استمرار الأوضاع على حالها، داعيا إلى ضرورة التكيف مع المستجدات المناخية التي تزداد تغيرا وتطرفا في كل مرة، من خلال البحث عن المخرجات التي تساعد الفلاح على النشاط الدائم، وذلك في البحث عن إشكالية البذور وإعداد مخابر ورصد أموال في مجال البحث، فضلا عن ضرورة مرافقة الفلاح وإرشاده ليتماشى نشاطه والمتغيرات الجديدة التي تفترض عليه تغيير الرزنامة الفلاحية بتغيير مواقيت التقليم والنظر في البذور حتى تؤخذ هذه الأوضاع بجدية تستدعي مرافقة كذلك الشركات الناشئة للاستعانة بأفكارها ومشاريعها التي تصب في المجال.
فلاحون: الأوضاع تزيد من تكاليف الفلاح
وأكّد من جهته، نائب رئيس جمعية شعبة الخضر والفواكه لسوق الجملة بالكاليتوس وفلاح معتمد، عمار غربي في تصريح لـ”الشروق”، أن النباتات شأنها شأن الإنسان بحاجة إلى الماء، مشيرا أن بعض المنتجات قد تتأثر وينقص مردودها مثل البصل فضلا عن البسباس والجزر وهي الخضر التي عادة ما تزرع خارج البيوت البلاستيكية أمّا المنتجة داخلها فلا خوف عليها، لافتا بأن الأوضاع المناخية الحالية تؤثر بشكل سلبي على الفلاح الذي ترتفع لديه التكاليف من ضخ للمياه واستغلال مضاعف للكهرباء والمازوت، معتبرا أن شح الأمطار هي معضلة تتأتى عنها مختلف الأمراض.
يجب اعتماد تقنيات زراعية تفاديا للخسائر
ويرى رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين، منيب اوبيري، في تصريح لـ”الشروق”، أن تأخر الأمطار وشبح الجفاف الذي بدأ يخيم على الموسم الزراعي، يمكن أن يؤثر على المردود نتيجة عدم تأقلم الفلاحين مع الممارسات المناسبة التي تجعلهم يتكيفون مع الظروف المناخية الحالية، معترفا بأن نقص المياه عامل من العوامل المؤثرة على المردود ونجاح مختلف الزراعات، ولكن هناك العديد من التقنيات كما -قال- يساهم في تفادي حجم الخسائر أو حتى تسجيل نقص في المردود فيما يخص شعبة الحبوب على سبيل المثال خاصة تلك التي تم غرسها هذا الموسم، مقدما أمثلة عن بعض الممارسات الزراعية كاستعمال أسمدة تكون مناسبة مع الظروف المناخية الحالية بالإضافة إلى الاستعمال المناسب لبعض الأنواع من المبيدات العشبية الخاصة بالحبوب والمناسبة للأجواء الجافة، فضلا عن اختيار أصناف الحبوب الملائمة بهدف ربح ما خسر جراء غياب الأمطار أو أن يكون حجم الخسائر أقل، لأن معالجة الحبوب هي نقطة جد هامة كما قال- والتي يهملها الآن الديوان الوطني للحبوب ويهملها كذلك أصحاب المهنة، إذ تعتبر عامل أساسي للزيادة في المردود على الأقل بـ 30 بالمائة في نفس الظروف، فكل هذه الأمور تتطلب الوقوف عليها بتحسيس المعاهد التقنية لمرافقة الفلاحين في هذه الجوانب التقنية في ظل الظروف المناخية الراهنة.
وأردف ممثل المهندسين الفلاحين بالقول إن “الأمل قائم وعلى الفلاح التأقلم مع الظروف بإتباع الممارسات الزراعية السليمة ليخرج بأقل الأضرار، ولأن الفترة الحالية هي مرحلة سبات للنباتات فهي لا تحتاج –حسبه- لكميات كبيرة من المياه، معبرا عن أمله أن يعود التساقط بدايات شهر جانفي أو منتصفه لتعزيز مخزون الأرض من المياه وتمكين النباتات من الاستمرار في النمو.