-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
المناضل جمال زناتي لـ"الشروق":

أحداث 20 أفريل ليست وليدة الصدفة والاعتراف بالأمازيغية ثمرة لها

الشروق أونلاين
  • 7436
  • 0
أحداث 20 أفريل ليست وليدة الصدفة والاعتراف بالأمازيغية ثمرة لها
الارشيف
جمال زناتي

يعود أحد أبرز مفجري أحداث 20 أفريل 1980 الذي أوقفته مصالح الأمن ضمن مجموعة الـ24 الناشط جمال زناتي في هذا الحوار مع “الشروق” إلى جذور هذه الحركة والأحداث التي كسرت جدار الصمت بالجزائر، من خلال الوقوف على تفاصيل التنظيم والربيع الأمازيغي وأشكال مجابهة النظام له، قبل أن يعترف هذا الأخير بعد 36 سنة بشرعية مطالبهم.

كنت واحدا من مجموعة الـ24 موقوفا خلال أحداث 20 أفريل 1980 ماذا لو عدت بنا إلى تلك المرحلة؟

بداية، أود القول إن أحداث 20 أفريل 1980 الهامة، التي كسرت جدار الصمت، لم تكن ثمرة الصدفة، أو مجرد عمل تلقائي، قام به جيل الثمانينيات، الذي قاده ذكاؤه وحنكته إلى صنع هذا الحدث الضخم. بل كان نتيجة حتمية لمسيرة وتراكمات امتدّت عبر الزمن، حملت في طياتها الدوافع العميقة للقضية والهوية الأمازيغية المغيّبة في ثوابت الأمة بجزائر ما بعد الاستقلال، من خلال فرض هوية خيالية، وكذا الفشل الذريع في الربط بين مفهومي الأمة والمواطنة.

ماذا عن الأجواء السائدة في جامعة تيزي وزو؟

قرار فتح جامعة بولاية تيزي وزو، الصادر عن الرئيس هواري بومدين كان قرارا شعبويا بالدرجة الأولى، بدليل غياب الهياكل الضرورية لاستقبال الدفعة الأولى من الطلبة الذين كنت واحدا من المسجلين في تخصص العلوم الدقيقة، حيث قمنا بتسجيل أنفسنا خلال شهر جوان على مستوى مقر ولاية تيزي وزو، ومع حلول الدخول الجامعي تم تحويل مركز الراحة، الخاص بالشيخوخة إلى إقامة جامعية، شيّد بجوارها عدد من الأقسام المخصصة للأعمال التوجيهية، أما المحاضرات فكنا نتلقاها باستوديو السينما المتواجد بوسط مدينة تيزي وزو.

ما يؤكد المعاناة الكبيرة التي كنا نتكبدها يوميا في التنقل. بالإضافة إلى مشاكل اجتماعية عدة مرتبطة بالإطعام وظروف الإقامة وغيرها، عشناها خلال السنتين الأولى والثانية التي شهدت عدة إضرابات، خاصة أمام عدم إقدام واستعداد الإدارة لمعالجة أي مشكل، كما أنها لا تقوم باستقبال جميع الطلبة لطرح انشغالاتهم بل فقط الطلبة المنتمين للاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية. خلال السنة الثالثة للدفعة الأولى بجامعة تيزي وزو وموازاة مع تشييد عدد من الهياكل البيداغوجية والإقامية بكل من “حسناوة” و”مدوحة”، تراكمت المشاكل الاجتماعية والبيداغوجية للطلبة بشكل كبير، خاصة في ظل غياب ممثل حقيقي لنا أمام الإدارة. ما جعل الطلبة يدخلون في إضراب طلية الفصل الأول من سبتمبر 1979 إلى غاية ديسمبر من نفس السنة   .

يعني أن المطالب كانت فقط اجتماعية وبيداغوجية؟

في الحقيقة، مع مرور الوقت تطوّرت هذه المطالب الاجتماعية والبيداغوجية، لطرح مسألة سوء تمثيل الطلبة من قبل الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، فخلال السنة الثانية قدمنا كطلبة لا ننتمي إلى الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، مقترِحا في إطار النشاطات الثقافية بالجامعة استضافة الفنان لونيس آيت منقلات لتنشيط حفل فنِّي بالجامعة، تم رفضه، وهو نفس الأمر بالنسبة لفرقة كاتب ياسين المسرحية، حيث كان كل شيء ممنوعاً، في الوقت الذي استأثر فيه الاتحاد بمسألة تنظيم النشاطات التي تحلو له، على غرار استضافة عباسي مدني لتنشيط محاضرة بجامعة تيزي وزو. هذا الإضراب فرض على مسؤولي الجامعة، وحتى والي ولاية تيزي وزو، القبول والاعتراف بلجنة مستقلة لتمثيل الطلبة بالجامعة، والتي تعد أول نقابة طلابية مستقلة بالجزائر، بعد الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، وقد قام الرئيس الراحل هواري بومدين بحلها.

 كيف كان وقع هذا المكسب على الطلبة؟

اعتبر الطلبة مسألة الاعتراف بأول لجنة طلابية مستقلة، مكسبا كبيرا عزز الثقة في أوساطهم بشكل كبير، وجعلهم يتفاءلون بتسجيل نوع من الانفراج، حيث سطّرت هذه اللجنة، خلال الفصل الثاني من السنة، برنامجا ثقافيا وفي هذا الإطار، اقترح بعض الأساتذة الاتصال بالكاتب مولود معمري لتنشيط محاضرة حول كتابه الأخير “الشعر القبائلي القديم”، تمت برمجتها ليوم 10 مارس من سنة 1980، حيث سارت الأمور بشكل جد عادي إلى غاية ذلك اليوم الموعود.

ماذا حصل بالتحديد يوم 10 مارس 1980؟

صبيحة 10 مارس 1980، تنقل الكاتب مولود معمري إلى ولاية “تيزي وزو”، وبعد بلوغه منطقة “بوخالفة”، أوقفَه حاجز أمني، قبل أن يطلبوا منه مرافقتهم إلى مقر الولاية لحاجتهم إليه، حيث تم استقباله من طرف الأمين العام للولاية، السيد جيار وقال له بالحرف الواحد “السيد معمري زيارتك إلى ولاية تيزي وزو غير مرغوب فيها”، ليغادر بعدها الكاتب مولود معمري مقر الولاية باتجاه جامعة حسناوة، ويعلمنا بموقف السلطات المحلية، مضيفا أن دخوله إلى جامعة تيزي وزو، يجب أن يكون من الباب الواسع، والمسألة الآن بين أيدي الطلبة الذين يجب عليهم تحمّل مسؤولياتهم، مؤكدا أنه لن يقدم المحاضرة، لأن السلطات ترفض ذلك.

كيف كان رد فعل الطلبة؟

مساء ذلك اليوم تم تنظيم جمعية عامة للجنة المستقلة للطلبة، والتي خرجت بقرار تنظيم مسيرة في اليوم الموالي 11 مارس 1980، وهي أول مسيرة عمومية بالجزائر، كانت تضمّ الطلبة فقط، وندّدت بالمنع وطالبت بإلغائه، وكذا الاعتراف باللغة الأمازيغية، هذه الحركة ومع مرور الوقت قامت بصياغة مطالبها بطريقة عقلانية مكنت من كسب تأييد جامعات أخرى لصفها كجامعة الجزائر ومواطنين حتى من خارج منطقة القبائل، حيث أصبح المطلب علنيا وشعبيا نادى بحق المواطن في التكلم بلغته وتطوير ثقافته.

المسيرة شارك فيها نحو 4 آلاف شخص، بين طالب وأستاذ، وكانت سلمية وجذبت انتباه السكان بشكل كبير، بدليل امتداد هذه المظاهرات إلى جامعات ومناطق أخرى لاحقا.

ماذا حدث بعد المسيرة؟

أريد الإشارة إلى أنه ومنذ البداية وبعد المسيرة الأولى، كنا نريد الحوار مع السلطة حول عمليات المنع المتعددة وكذا الهوية الأمازيغية، بدليل أننا راسلنا كل السلطات بالبلاد، وقمنا فيها بتحديد طبيعة الحركة والمطالب والأهداف، وفي الثالث أفريل 1980 تم استقبال وفد مكوّن من 3 طلبة، برئاسة الجمهورية ممثلين في كل من “طاري عزيز” و”جمال زناتي” و”طالب محمد”، حيث تم استقبالنا من قبل الأمين العام للرئاسة، السيد “بن حبيلس”، الملقب في دهاليز النظام بـ”سقراط”، وكانت أول جملة قالها “الجزائر كان يمكن أن تسمى بربرية”، ما جعلنا نأمل كثيرا بنتائج هذا الاجتماع، غير أن ذلك لم يستمرّ طويلا بعد لجوئه في نهاية اللقاء إلى القول “الزنديق ليس الذي يحرق بل ذلك الذي ينير المحرقة” ما يعتبر تهديدا صريحا لنا.

فيما تحدثتم خلال الاجتماع؟

بين العبارتين، تبادلنا أطراف الحديث حول كل ما جرى، وكذا عن الهوية واللغة الأمازيغية، التي سألنا عن حروفها وكيفية كتابتها، ما دفعني أنا شخصيا إلى كتابة حروف التيفيناغ له خلال الاجتماع، بطلب من الرئيس حسب الأمين العام، وأشير أن الأمين العام للرئاسة، لم يمنحنا الموافقة على أي مطلب، حتى تلك المتعلقة بفتح تحقيق حول منع محاضرة الكاتب مولود معمري.

هذا الاجتماع أعقبه اجتماع آخر، في 14 أفريل من نفس السنة، فموازاة مع زيارة وزير التعليم العالي لجامعة تيزي وزو، تم استقبال وفد آخر من قبل الرئاسة للحوار، مكوّن من طلبة جامعتي تيزي وزو والجزائر، وهذا بعد مسيرة 7 أفريل. ولكن دون أدنى نتائج تذكر.

من دعا للمسيرة؟

الأفافاس وعلى الرغم من كونه ينشط بطريقة غير قانونية، إلا أنه كان مهيكلا، حيث لم يكن يشارك في الحركة باسم الأفافاس، وكل مقترح يقدمه كان باسم لجنة الدفاع عن الثقافة الأمازيغية، وهي التي دعت إلى مسيرة يوم 7 أفريل 1980 بالجزائر العاصمة. وعلى مستوى الجامعة، قمنا بفتح حوار كبير بين الطلبة حول مسألة المشاركة في المسيرة من عدمها، وكان القرار يكمن في كون اللجنة المستقلة للطلبة لا تدعو إلى المسيرة المرتقبة في 7 أفريل، وللطلبة والأساتذة حرية الاختيار في المشاركة أم لا. وهي المسيرة التي قامت مصالح الأمن، بقمعها وتوقيف عدد كبير من المشاركين، فيها بلغ حد 300 شخص وكنت من بينهم، حيث لم يُطلق سراحنا إلا خلال الليل.

كيف كان رد الفعل؟

بعد قمع الأمن للمسيرة، قررنا مباشرة بالاستيلاء على الجامعة التي أضحت تخضع لتسيير ذاتي، من قبل اللجنة المستقلة للطلبة، والتي عمدت من 7 إلى 20 أفريل، إلى خلق ديناميكية كبيرة، وإنعاش الحركة الثقافية بها بشكل كبير من خلال الأفلام المعروضة، والمحاضرات، ناهيك عن نشرتين إخباريتين، تقدمان يوميا، الأولى في منتصف النهار، والثانية في حدود السادسة مساءً، يتم خلالها استعراض نشاط وتقدّم الحركة، وسط حضور قوي للسكان بجامعة “حسناوة”، كما صاحب هذا النشاط بروز ظاهرة أخرى بالمداشر، تمثلت في التنظيم الذاتي بها، من خلال خلق لجان مساندة للحركة بطريقة تلقائية.

ماذا حصل بالتحديد يوم 20 أفريل؟

بعد نصف ساعة من التحاقي بالغرفة بجامعة “حسناوة”، أيقظني رفيقي بعد الحركة غير العادية المسجلة بالجامعة، التي تميزت بحضور حشود وآلاف عناصر الشرطة ومكافحة الشغب مدججين بالهراوات والكلاب، وعناصر أخرى بالزي المدني تحمل قائمة بأسماء الطلبة، هذا كما عمدت عناصر الأمن، حسب ما علمناه لاحقا إلى خلق ضباب اصطناعي بمحيط الجامعة امتد إلى غاية الصبيحة، حتى لا يكتشف السكان المجاورون ما يحدث بالجامعة.

هذا وقد كانت عناصر الأمن قاسية جدا في تعاملها مع الطلبة، الذين اعتدت عليهم بالضرب المبرّح دون أن تميّز بين الإناث والذكور، ولا حتى الطلبة الأجانب، وقامت بإخراجنا إلى الساحة، وهو نفس ما حدث بـ”وادي عيسي.

وعلى مستوى الساحة، تم توقيف الطلبة المسجلين بالقائمة، من بينهم أنا شخصيا حيث قدر عدد الطلبة الموقوفين خلال تلك الأحداث، بـ5 طلبة 4 منهم ينحدرون من ولاية بجاية 3 من منطقة الصومام، هذا وكانت عملية التوقيفات في صفوف مناضلي هذه الحركة قد بدأت قبل 20 أفريل على غرار “شني مقران” وغيرهم.

أين كانت الوجهة بعد التوقيف؟

شخصيا، تم نقلي في البداية إلى المستشفى، نظرا للجروح الخطيرة، التي تعرّضت لها، بعدها إلى مقر الأمن بولاية تيزي وزو، حيث استمرّ مسلسل التعذيب معي وقام أحد عناصر الشرطة بحرق خدّي بواسطة سيجارة. وأودّ القول إن الأوضاع كادت أن تخرج عن السيطرة على مستوى مقر أمن تيزي وزو، بين عناصر الشرطة غير الأمازيغ والعناصر الأخرى المحسوبة على المنطقة، والتي رفضت حملة السبّ والشتم التي تعرض لها الموقوفون وسكان المنطقة الأمازيغ بصفة عامة. مطالبين بتوقيف ذلك وإلا سيحصل ما لا يحمد عقباه.

هذا وتم في ذات الصبيحة، تحويلي إلى الجزائر العاصمة، وبالتحديد إلى مقر الأمن المركزي، دون ان ألتقي بزملائي الموقوفين. وعلى مستوى الأمن المركزي التقيت بالمدير العام للأمن الوطني الهادي خديري، الذي تفاجأ حين رآني، فوراء ذلك الاسم الذي أقضّ مضاجع النظام، بنية جسدية لشاب يظهر في الوهلة الأولى، أنه مراهق في سن 16، ما جعله يغادر القاعة مباشرة.

خضعت لمدة أسبوع كامل للاستجواب على مستوى الأمن المركزي، وهو الاستجواب الذي دار حول ما جرى، ونشاطاتي في الحركة وخارجها، وعلاقاتي دون أن أتعرض للتعذيب، بخلاف ما تعرض له رفاقي من الجزائر العاصمة، على غرار “علي براهيمي” الذين عانوا من تعذيب كبير، إلى جانب أستاذين معربين ممثلين في كل من “لبصير” و”دحماني” اللذين تعرضا لتعذيب وحشي، بصفتهم من نشطاء الحركة غير الأمازيغ، إلى درجة فقدا فيها حتى ملامح وجهيهما والدماء تسيل من الأذنين. والسبب وراء ذلك يتمثل في كون مشاركة غير الأمازيغ في الحركة، هو دحضٌ للدعاية والسيناريوهات التي روّج لها النظام، والذي راح يؤكد أن الطلبة الأمازيغ فقط من أشعلوا فتيل الحركة.

بعد ذلك، تم تحويلي شخصيا للخضوع للاستجواب بمصالح الأمن العسكري، بعدها المحكمة العسكرية للبليدة، التي مكثت بها نحو أسبوع، قبل أن تكون الوجهة سجن البرواقية بالمدية، حيث علمنا أخيرا أن عدد الموقوفين في إطار هذه الحركة كان 24.

ماهي انعكاسات الحركة عليكم وعلى الحياة بصورة عامة؟

أريد التوضيح أننا وعلى الصعيد الشخصي، عانينا كثيرا من الدعاية السيئة التي قام بها النظام في حقنا، حيث روّج أننا قمنا بحرق مصاحف القرآن الكريم والعلم الوطني، كما روّج على أن الموقوفين الـ24، ينتمون إلى أحزاب غير شرعية، وتنشط في الخفاء، وهذا أثر كثيرا في الرأي العام، ولم يكن من السهل تحمله، أضف إلى ذلك فترة الفتور والفشل التي مررنا بها بعد الخروج من حركة بهذا الحجم. قبل أن تظهر حركة ومقاومة أخرى خلال ماي 1981 بولاية بجاية. غير أنه وعلى مستوى الحياة السياسية والثقافية تمكنا من تحرير عديد الفضاءات.

وأود القول، إنه اليوم وبعد الاعتراف باللغة الأمازيغية، كلغة وطنية ورسمية بالدستور، وهو مكسب تاريخي وهام، يجب مطالبة النظام بتقديم حسابات حول الدعاية والأكاذيب التي استعملها طوال هذه السنوات، في حق سكان المنطقة، وهو الاعتراف الذي يؤكد أننا كنا على حق، ويجب على جيل اليوم استخلاص الدروس والعبر، حول أهمية النضال والمقاومة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!