الجزائر
وزير المجاهدين الأسبق إبراهيم شيبوط لـ"الشروق":

أحداث 5 أكتوبر 88 عصفت بثمار الثورة

الشروق أونلاين
  • 8611
  • 34
الشروق
وزير المجاهدين الأسبق إبراهيم شيبوط

توجد العديد من الأحداث التاريخية التي أخجل من الحديث عنها ولكنها حقيقة وهي جزء من تاريخنا رغم فظاعتها، فكيف تعتبر هذه الأحداث “ربيعا”؟ كنا ضحية في عهد الاستعمار الفرنسي، ثم أصبحنا نلقي الرصاص على بعضنا البعض وسبق للمسمى فرانسوا ميتيران وأن صرح قائلا “حدثوني عن الجزائر بعد ثلاثين سنة” وهذه أمنيته تتحقق.

أكد وزير المجاهدين الأسبق إبراهيم شيبوط، أن الغاية الأسمي التي كانت تسعى إليها الأطراف التي خططت لأحداث الخامس أكتوبر 1988 هي القضاء على ثمار ثورة نوفمبر 1954 التي قادها شباب الجزائر بكل عزم، مشيرا إلى أن تلك الأحداث كانت تبقى وصمة عار في تاريخ “الجزائر المستقلة” إلى جانب عدد من الأحداث التي شهدتها بلادنا منذ الاستقلال، ويجب تصحيحها وطي صفحتها إلى الأبد، ولم يستبعد المجاهد السابق في صفوف جيش التحرير الوطني في حوار جمعه بـ”الشروق” ببيته أن يكون لليمين المتطرف الفرنسي يدٌ فيما حدث في ذلك الوقت، خاصة وأن فرنسا ترفض إلى اليوم الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها في حق الجزائريين.

 

 كنت من بين الأشخاص الذين حضروا أحداث الخامس أكتوبر 1988. نريد أن تفيد الأجيال بشأن خلفياتها ومراميها؟

ما الغاية من التطرق إلى هذه الأحداث الآن؟

 

 لا غاية لنا إلا اطلاع الرأي العام وأبناء هذا الجيل على حقيقة ما جرى في ذلك الوقت ليس إلا؟

أين هم هؤلاء الشباب، الذي شيِّدت الحواجز حتى لا يمضوا في طريق النجاح والاستقرار؟

 

 ولكن يبقى من واجبك أن تروي شهادتك عن تلك الأحداث مهما كان الأمر باعتبارك مجاهداً من جهة، وباعتبارك شاهداً على تلك الأحداث المروِّعة في ذلك الوقت؟

نعم، كنت من بين الأشخاص الذين حضروا تلك الأحداث، وأذكر أنني كنت في ذلك الوقت نائبا في البرلمان وكنت ملزما بتتبع ما كان يجري من بعيد.

 

 ماذا حدث بالضبط في تلك الفترة؟

الكل يعلم ما حدث في ذلك الوقت، من أحداث التظاهر التي عمت شوارع العاصمة والتعذيب الذي تعرض له هؤلاء الشباب، كما أحب أن أشير إلى أن عمليات القتل التي تعرض لها هؤلاء الشبان، وأنا اعتبر أن هذه الأحداث رهيبة، كانت أحداث الخامس أكتوبر مثل تلك السحابة المفاجئة، لم نكن نحسب حسابنا ولم نكن ننتظر حدوث أو وقوع أحداث بذلك الشكل، ولم أكن أظن يوما أن تصل الأمور في الجزائر المستقلة إلى ما حدث في الخامس من أكتوبر، صحيح أن الشعب كان “مخدراً” ومناضلو “الأفلان” غير واعين، ولكن كل هذا لا يبرر ما حدث.

 

  من المسئول عما حدث في اعتقادكم؟

لا أتهم أحدا، ولكن أنا متأكد أن جهة معينة مسؤولة عن هذه الأحداث حتى لا أقول “جهات” هي المسؤولة عما حدث، وكانت تسعى إلى إجهاض ثورة نوفمبر؛ ففي الوقت الذي كانت الجزائر تتأهب لدخول مرحلة جديدة تمكنها من تغطية احتياجات شعبها بالإضافة إلى استعداد الطبقة الحاكمة لتسليم المشعل للشباب من أجل النهوض بالبلاد في مختلف القطاعات، جاءت هذه الأحداث فجأة وحطمت كل شيء وأعادت الجزائر إلى نقطة الصفر، أنا لست من الأشخاص الكذابين حتى أقلل من حجم وخطورة هذه الأحداث، ولكن الحقيقة أن ما حدث كان رهيبا، لا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال، ولكن الحقيقة أن ما حدث في أكتوبر 88 يجب أن لا يتكرر في تاريخ هذا البلد الذي ضحى من أجله مليون ونصف مليون شهيد، لأنها وصمة عار في تاريخ الجزائر المستقلة.

 

 الجيش بادر إلى إطلاق النار على المتظاهرين، من أصدر الأمر بذلك؟

لا أتهم أحداً، ولكن أعتقد أن الأشخاص الذي بادروا إلى إطلاق النار على المتظاهرين هم “أكثر من الجيش”، وقد فرض الجيش حالة حصار في ذلك الوقت بعد أن تعذر عليهم السيطرة على الأحداث، ولكن لا أعرف من أعطى الأوامر لقتل المتظاهرين وتعذيبهم، إلا أنه يوجد من كان وراء ذلك للحقيقة التاريخية ولا يمكن إنكار ذلك طال الزمن أو قصُر، وهذا الأمر كمجاهدين قدماء في جيش التحرير الوطني، وسأوضح لك لماذا أعتبر نفسي مجاهدا قديما، لأنه يوم وقعنا اتفاقيات “ايفيان” انتهى الجهاد، واستغرب كيف مازالت الشخصيات تُدفن في “مربع الشهداء” هذا عيب وعار.. الشهيد هو الذي مات في سبيل الله ودفاعاً عن وطنه، وليس لأيٍّ كان أن يحصل على هذا اللقب، إلا إذا توفرت فيه شروط الشهادة.

 

 ما الدافع وراء ذلك؟

يريدون أن يخلِّدوا أنفسهم باستعمال ذلك الإسم، ولكن أحب أن أوضح في هذا السياق وأقول كنا مجاهدين ونحن الآن كغيرنا من المواطنين، ورحم الله الشهداء.

يريد من يخلد نفسه باستعمال اسم “مجاهد”، كنا مجاهدين وألف رحمة على الشهداء، وحتى سياسياً لم يعد يعني هذا الموضوع شيئاً.

 

 نعود إلى موضوعنا.. كثيرون هم الذين يتهمون الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وشريف مساعدية بالتورط في تلك الأحداث. ما رأيك؟

أنا أعرف الشاذلي وأعتقد أنه من أحسن الشخصيات التي تعاقبت على الحكم في الجزائر، لا أتحدث على صعيد الإنجازات، ولكن أتحدث عنه كرئيس، ويعرف ما معنى مصطلح الدولة، لأنه جاهد في الجبال وأطلق الرصاص فيها، عكس الكثيرين ممن ينعمون بثمارها اليوم دون أن يدركوا معنى المسؤولية.

 

 وماذا عن عمليات التعذيب التي تعرّض لها الشباب في ذلك الوقت؟

لا أملك حقائق أو إحصائيات دقيقة عما حدث في ذلك الوقت، وما أنا متأكد منه أنها أحداث لا تشرف الجزائر، وأحب أن أقول إن الأشخاص الذي خططوا لهذه الأحداث مهما كانت طبيعتهم هم أشخاص سعوا إلى إفراغ الثورة التي قام بها في الأساس الشبابُ الجزائري إبان حرب التحرير، وعندما يطلق الجيش النار على الشباب، يصبح من الصعب الحديث عن معنى “الجزائر المستقلة”.

 

 كانت هذه الأحداث مادة دسمة للصحافة الفرنسية التي علقت وقالت “إن الجزائريين خرجوا إلى الشارع، لأنهم جاعوا”. هل هذا صحيح؟

هذا غير صحيح، الجزائريون لم يجوعوا، ولكن الأشخاص الذين خططوا لأحداث الخامس أكتوبر فعلوا ذلك حتى يجرِّدوا ثورة نوفمبر من نبلها وقداستها، فعندما يتحوَّل الجيش من مهمته في الحفاظ على أمن واستقرار الوطن وتدريب الشباب على أساليب القتال إلى إطلاق الرصاص عليهم في الشوارع، يعجز اللسان عن التعبير، اكتشفت فيما بعد أن هذه الأحداث مخططة ومنظمة ولم تكن عشوائية، وكانت تسعى لإفراغ ثورة 1954 من محتواها، كما اذكر أن تلك الأحداث جعلت العديد من البلدان تتشفى في الجزائر.

 

 من تقصد؟

فرنسا التي لم تعترف حتى بعد مرور خمسين سنة من استقلال الجزائر بالجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري، بالإضافة إلى اليمين المتطرف الذي لا استبعد أن تكون له يد فيما حدث في ذلك الوقت، ولهذا فأنا لا أعتقد أن أحداث الخامس أكتوبر هي أحداث يجب أن تصحح وأن تطوى صفحتها إلى الأبد، لأنها أحداث لا تشرف الجزائر ولا الجزائريين الذين ناضلوا من اجل استرجاع وطنهم وحريتهم.

 

 يوجد من النخبة من الذين توسّموا في هذه الأحداث خيرا وأطلقوا على تلك الأحداث اسم “الربيع الجزائري”، ما رأيك؟

كانت “ربيع شؤم”، ماذا بعد ذهاب مليون ونصف مليون شهيد فداء لهذه الأرض الطيبة؟ توجد العديد من الأحداث التاريخية التي أخجل من الحديث عنها، ولكنها حقيقة وهي جزء من تاريخنا رغم فظاعتها، فكيف تعتبر هذه الأحداث “ربيعا”؟ كنا ضحية في عهد الاستعمار الفرنسي، ثم أصبحنا نلقي الرصاص على بعضنا البعض وسبق للمسمى فرانسوا ميتيران وأن صرح قائلا “حدثوني عن الجزائر بعد ثلاثين سنة”، وهذه أمنيته تتحقق.

مقالات ذات صلة