الرأي

أحكام شغب أهل الدولة على فراش “أم” السلطة

حبيب راشدين
  • 4720
  • 10

عندما ترى أهل السلطة يتحرشون بالغلابة من شعبهم، ويحرضونهم بأدوات الاستفزاز المحرم أخلاقيا على الشغب المباح سياسيا، باستهدافهم في قوت العيال كما تفعل الحكومة اليوم بالمقتاتين من فتات السوق الموازية، فاعلم أن العلية تكون قد دخلت مرحلة عض الأصابع على “أم” السلطة بقصر المرادية، بكسر بعض عظام كثير من “الزوالية”.

الاستعداد الجاري على نصف قدم وربع ساق لتجديد المجالس المحلية، بقانون الانتخابات الذي أثبت جدارته في الاستحقاق التشريعي الأخير كأداة تزوير شرعية، دون تسجيل أدنى قلق حيال مشاركة الناخبين من عدمه، لا يخرج عن أحد الأمرين: إما أن السلطة قد اهتدت بين الاستحقاق الأخير   والاستحقاق   القادم إلى علاج ثوري لمرض عزوف الناخبين عن المشاركة، أو أنها باتت ترى أن أفضل استحقاق لا يتهم بالتزوير هو الاستحقاق الذي تقترب فيه نسبة المشاركة من الصفر.

.

التزوير مع سبق الإصرار والترصد

إصرار السلطة على تنظيم استحقاق المحليات بنفس الأداة المطعون فيها، وفي أجواء من الاستفزازات المتعاظمة للمواطن الناخب، هو بلا شك خطيئة سياسية، وإجرام سياسي لا يغتفر، وهو في الحد الأدنى حالة من سوء التسيير، وهدر مفضوح لموارد البلاد، لا يختلف عن إصرار مسؤول مؤسسة إنتاجية، يصر على صناعة منتج معيب، فيه كثير من العور والعيوب، وهو يعلم مسبقا أن السوق سوف يطعن فيه ويكون مصيره البوار.

فقد ارتكبت الخطيئة الأولى حين أصرت السلطة على إدارة الانتخابات التشريعية بقانون، كانت تعلم مسبقا أنه سوف ينتج مجلسا غير متوازن، مختل، غير كاشف للتمثيل الحقيقي لإرادة الناخب، وأنه سوف يتعرض للطعن السياسي والشعبي، حتى حين تعجز الأطراف الخاسرة عن تقديم الدليل المادي عن التزوير.

وقد كان بوسع رئيس الجمهورية، وهو صاحب الإصلاح، أن يمنع البرلمان السابق من تزوير إرادة الإصلاح، التي كان يفترض أن يوسع البرلمان من هامشها، لا أن يتجرأ على تفريغ مشروع الإصلاح المحدود أصلا من محتواه، وإنتاج ذلك “الإصلاح” المسخ في قانون الأحزاب والانتخابات، خاصة وأن البلد لم يكن وقتها في مناعة من مفاعيل الربيع العربي، وهو لا يزال تحت التهديد، وكانت السلطة تعلم أكثر من غيرها مقدار الإحباط المتراكم عند المواطن الناخب، وتعاظم الشك والريبة عنده حيال سلامة الاستحقاقات الانتخابية.

“حين تلجأ السلطة إلى استفزاز الغلابة من الشعب، تدفع بهم دفعا إلى المشاغبة في الشارع، علينا أن نثق أنها سياسة مقصودة محسوبة، لها محصول متوقع، يخدم مصلحة سلطوية لا ندركها في العادة حتى يحصل ما يراد له أن يحصل”.

.

قطيعة السفيانية الحديثة مع شعرة معاوية

وللأمانة، فإني أجد، مثل كثير من المواطنين، صعوبة في فهم منطق الحكم الذي أجاز للسلطة الدخول في هذه المجازفة، وكأن جهة ما في السلطة تبيت بإصرار لترسانة من الإجراءات الاستفزازية، تتوقع لها أن تنتج الصاعق الذي يفجر الغضب الشعبي المرجو، وإلا كيف يفسر ذلك الحزم الذي أظهرته السلطات في معالجة السوق الموازية عند المصب وليس عند المنبع، باستهداف عشرات الألوف من الباعة المتجولين في الأسواق الموازية، وحرمانهم من مصدر رزق ليس لهم غيره، إجراء قد يحولهم بسهولة إلى وقود لشغب شارع منفلت، أسابيع قبل موعد الانتخابات المحلية.

فن إدارة الشعوب، حتى وإن لم يرق بعد إلى مصاف العلوم الدقيقة، لكنه يستفيد من تقنيات مجربة، تسمح اليوم للسياسي المسير توقع ردة الفعل الشعبي بقدر من الدقة في التوقيت والحجم والحدة، على غرار ما نرى في العبث الغربي بالشارع العربي والمسلم بأدوات الاستفزاز والتحرش بالمقدسات، ولم يعد من المقبول القول بجهل الساسة وولاة الأمر، لأنهم في العادة يعلمون ما يفعلون حين يتعلق الأمر بما قد يهدد سلطانهم، بالاستعانة بأدوات المعرفة أحيانا، وبالسليقة والفطرة حين تغيب المغرفة، ولابد أن نقرأ في ما يصدر عنهم من إجراءات استفزازية لشعوبهم قد تدفع بها إلى المشاغبة في الشارع، لا بد أن نقرأ فيها أنها سياسة مقصودة محسوبة، لها محصول متوقع، يخدم مصلحة سلطوية لا ندركها في العادة حتى يحصل ما يراد له أن يحصل.

.

الوجهان الخبيثان لعملة الحكم الفاسدة

وفي هذا السياق لنا في تاريخ السلطة عندنا كما عند غيرنا من الأمثلة، ما لو توقفت عنده الشعوب، وأشبعته دراسة لكانت مثل ولاة الأمر، قادرة على توقع واستشراف الغايات والأهداف من أي إجراء سلطوي يخرج عن المألوف، لتدرك أخيرا أن الاستقرار والفوضى هما على الدوام وجهان لعملة واحدة في سياسة إدارة الشعوب، وأنه كما يكون الاستقرار حاجة سلطوية، تشتغل عليه السلطة بكل ما تملك من أدواتها الناعمة والصلبة، بما في ذلك خفض جناح الذل مؤقتا لمواطنيها، والتراخي في تفعيل القوانين، والذهاب حد رشوة المواطنين، أو على الأقل رشوة الطائفة النشطة منهم، فإن الدفع نحو الفوضى المتحكم فيها، الموجهة عن بعد، بتفعيل نفس الأدوات الناعمة والصلبة، من أجل تأجيج الغضب الشعبي حتى تقضى الحاجة المضمرة في نفس يعقوب، هو أيضا حاجة سلطوية لا يتردد حكام هذا العصر في استعمالها.

قبل شهور قليلة، كانت كل سياسة الدولة مجندة لامتصاص الغضب الشعبي، خوفا من انتقال مفاعيل الربيع العربي إلى الشارع الجزائري، وكنت وقتها من الذين حمدوا ذلك للسلطة، وأثنوا على جملة من الإجراءات الأمنية والإدارية والمالية، التي لطفت من حدة التوتر والغضب، الممزوجين بقدر هائل من الإحباط، حتى وإن كنت أعتبر أن كثيرا منها كان محض إهدار لموارد مالية، كان يفترض أن توظف بطريقة أسلم، وأن فتح خزانة الدولية وقتها على مصراعيها، والإنعام بسخاء على شرائح واسعة من الموظفين، ليست سوى خدعة، وإقراض لأجل مسمى، يعلم الجميع أن سيطرة الدولة على أدوات التضخم سوف يلتهم في أقل من عام ما منحته الدولة بسخاء، لكنه كان وقتها إجراء محمودا، سمح للبلاد بالإفلات مؤقتا من مفاعيل الربيع العربي المسير، المدمر لمقدرات الشعوب ولاستقرار دولها الهش أصلا.

.

“ليس بأيدي المواطنين حلولا كثيرة، سوى الامتناع الطوعي الواعي عن الانسياق للعبة، كما انساق بعضنا لشغب أكتوبر حين سوّق لنا كما سوّق اليوم ربيع الشعوب لبعض العربية”..

قراءة المسحور في فنجان الساحرة

عودة السحرة هذه الأيام للعبث بأدوات الاستفزاز السياسي والإداري والأمني، والتحرش الفاضح بالطبقات الأكثر تعرضا للاستفزاز، وهي التي لم تستفد أصلا من عوائد مرحلة التهدئة والمهادنة، مثل ما هو حال شعب الاقتصاد الموازي، والإصرار في الوقت نفسه على تعطيل الحياة السياسة المعوقة ابتداء بالإغلاق المستديم لقنوات الحوار مع الآخر، والذهاب مجددا إلى انتخابات محلية مهددة بتزوير مسبق لإرادة الناخب، كل ذلك لا يمكن أن يكون محض خطأ ترتكبه السلطة، أو سقطة غير محسوبة العواقب لا تصدر إلا عن سفيه، لأنه لا يصدق أن تكون السلطة عدوة نفسها، تبحث عن حتفها بظلفها، وتهدر قبل موعد سياسي هام ما أنفقته من جهد وسخاء ولينة قبل شهور قليلة مضت.

وحيث أن الأمر ليس كذلك، فلا بد أن نبحث عن تفسير آخر، وقراءة أخرى تستند إلى سوابق موثقة اكتشفنا خلالها، أن حالات “التأزيم الاصطناعي” وتسخير الغضب الشعبي، بل وصناعته أحيانا، عادة ما تكون عرضا إكلينيكيا لصراعات تجري داخل أروقة السلطة وبين مكوناتها، فيلجأ أحد الأطراف لتوظيف الشارع وتسخيره كأداة ضغط. وحتى مع جهلنا لطبيعة هذه الصراع، فإن اقتراب نهاية العهدة الثالثة وربما الأخيرة لرئيس الجمهورية، دون أن تسجل مؤشرات ذات معنى على بداية حصول توافق بين أركان النظام، مع التعطيل الحاصل في المسار الإصلاحي المحتشم والمحدود، وانفراط عقد التحالف الرئاسي القديم دون بروز مسار لبناء تحالف رئاسي جديد لإنهاء العهدة، كلها مؤشرات كاشفة لقيام أزمة من داخل النظام حول موقع الرئاسة، وهو الموقع الوحيد من بين مؤسسات الدولة الذي بيده أدوات السلطة الفعلية، قبل وبعد الانتقال من نظام الحزب الواحد، وسوف يبقى كذلك، ما لم يقبل النظام طواعية بإصلاحات سياسية فعلية تعيد توزيع السلطات بين مؤسسات الحكم.

كمواطنين ليس بأيدينا حلولا كثيرة، سوى الامتناع الطوعي الواعي عن الانسياق للعبة، كما انساق بعضنا لشغب أكتوبر الذي سوّق لنا كما سوّق اليوم ربيع الشعوب لبعض الشعوب العربية، إلى أن تكتشف ما اكتشفناه نحن بعد سنة ونصف سنة، من أن من خرج منا وقتها يتظاهر ويتصادم مع الآلة القمعية للدولة، إنما كان مجرد أداة لعبت بها القوة الصلبة من قلب النظام، لتحقق ما تحقق لها بعد أكتوبر، ثم تأتي رجفة ما بعد تشريعيات91 لتسرح بنا أكثر من عقد من الزمن، في دوامة العنف التي خرج منها خاسر واحد هو “شعيب لخديم” كما كنا نصفه، من الذين لا يجيدون، أو ليس لهم قدرة على ركوب العربة المناسبة في القطار المناسب مع الفريق الرابح.

.

عض الأصابع بين العلية بكسر عظام “الزوالية”

ليس صحيحا أن عموم الشعب خرج خاسرا من اللعبة، وهي تتجدد أكثر من مرة، فقد أبعدت طائفة من المتنفذين من العهد السابق لشغب أكتوبر دون أن تنتف منها ريشة واحدة، وحلت طوائف جديدة اعتلفت وتعتلف بلا حدود مع من اعتلف وهم يرقصون على أشلاء أبناء شعيب لخديم من أرياف التيتري وغليزان، و”المغرر بهم” من أحياء القصدير في الضاحية.

وليس صحيحا أن مغارم الفتنة الكبرى قد وزعت بعدل، أو أن مغانم عودة السلم والوئام قد وصل بعض فتاتها لـ”المحروم” الذي لا نتركه اليوم يستر عياله – وهو آمن من الملاحقة- تحت سقف من القصدير، أو يتدبر قوت أبنائه من السوق الموازية، وكأنه كان مخيرا بين القصر والقبو، فاختار القبو من القصدير، أو أن حقول التوظيف الشريف قد ساومته على العمل المنتظم والأجر المضمون، فآثر التقوت من تسويق بضاعة “الشناوة” بين دوريتين للشرطة. وقد كان بوسع الحكومة أن تنهي السوق الموازية بدورية واحدة تطوف على بيوت أرباب السوق الموازية عند المنبع، بدل إنفاق كل ذلك الجهد البوليسي عند المصب، في مطاردة صغار الباعة من الشباب الذي لم ينجرف بعد، لا نحو الحرقة المهينة له ولشعبه، ولا نحو الجريمة المنظمة أو الإرهاب، أو نحو الشغب الفوضوي، وهو ما يبقى له حين تنتهي حملة تفكيك الأسواق الموازية.

لأجل ذلك آمل أن يفشل السحرة في الدفع مجددا بهذه الشريحة الواسعة من “شعيب لخديم” نحو اليأس والقنوط، قبل تسخيرها في لعبة عض الأصابع، وكسر العظام بين العلية من القوم على أم السلطة بقصر المرادية، وهي اللعبة التي تكون قد بدأت أو هي قادمة بلا ريب، إلا أن تكذب السلطة توقعاتنا، بالمبادرة إلى إصلاح سياسي حقيقي يخرج البلد من هذا العبث السياسي القاصر، والتسويف في بناء دولة مؤسسات متوازنة، توفر فرص التراضي بين الحاكم والمحكوم، كلما كانت البلد بحاجة إلى توافق وتراضي لمواجهة التهديدات التي تحيط بنا من كل جانب.

“لم يعد مقبولا التسويف في بناء دولة مؤسسات متوازنة، توفر فرص التراضي بين الحاكم والمحكوم، كلما كانت البلد بحاجة إلى توافق وتراضي لمواجهة التهديدات التي تحيط بنا من كل جانب”

.

إصلاح الدولة حتى يصلح أهل السلطة

فالإصلاح السياسي، وإعادة بناء الدولة بما يضمن استقرارها وتوازنها، ويعفي حكامها من الحاجة إلى توظيف الوسائل الساقطة في إدارة المجموعة الوطنية، لم يعد فقط مطلبا أو حاجة تسترضى بها الطبقة السياسية المنشغلة مثلها بالاقتتال على السلطة، أو هي فقط مطلب مشروع لطبقة وسطى من شباب متعلم منفتح على ما يجري في العالم، يريد أن يتفسح له جيل “طاب جنانو” الآن وليس بعد الغد عن موطئ قدم تحت الشمس، ولا هي حتى حق شعبي صرف، يقول الدستور كذبا أن الشعب هو المالك الأصلي والوحيد للسلطة، لكن الإصلاح بات ضرورة ينبغي أن تدرج وتدار كضرورة أمن قومي، لا يمكن للدولة أو أية سلطة أن تعبث به، أو تسوف ساعة زمن في أمر لم يعد يحتمل التسويف.

مقالات ذات صلة