أحمد بن بلّة كما عرفته
كنت طالبا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وقبل تخرّجي من الدراسة تدرّبت على السلاح سنة 1955 بنيّة الدخول كجندي في جيش التحرير. لكن القائد أحمد بن بلّه الذي كان المسؤول العسكري الأول بالخارج، قال لي: “من يحمل السلاح كثير، لقد أعطاك الله قلما جيِّدا، تبقى معي هنا بالقاهرة، الجزائر في حاجة إليك هنا بالعالم العربي”.
وعيّنني أمينا دائما لمكتب جيش التحرير بالقاهرة، الذي كان المدير المباشر له المرحوم الدكتور التيجيني هدام، وكان بن بلّه يشرف على المكاتب العسكرية، كان المكتب يقع في شقة بعمارة وهبة في قلب القاهرة، وكانت له صفة السريّة يقع تحت حماية المخابرات المصرية، يشرف على التكوين السياسي والفكري للشباب الآتي من الجزائر والخارج للتدرُّب في المعسكرات المصرية على السلاح.
وأذكر أنني استقبلت ابن أحمد المعروف بعبد الغني، ويحيى رحَّال ومجموعة من الشباب من المدارس الفرنسية بالجزائر حضروا للقاهرة وتدرَّبوا على سلاح الضفادع البشرية ثم على الطيران العسكري فيما بعد، كما استقبلت مجموعة من الشبان تدرَّبوا على السلاح في الكلية العسكرية في العراق وهم العقيد مصطفى الهشماوي، والرائد بلال حفراد، ومحمود الباي، وأحمد الكفيف (شهيد)، وعبد الله الوزاني (شهيد)، وأحمد سليماني (شهيد)، وسهَّلت لهم المرور إلى الجزائر.
طلب بن بلّه من الرئيس عبد الناصر سحب السفير المصري لتدخُّله فيما لا يعنيه بالجزائر. كما أمر بإرسال أسلحة لمنظمة “فتح” محمولة بطائرتين عسكريتين، وكانت شحنة الأسلحة العربية الأولى التي تُقدَّم للفلسطينيين.
وبقيت في هذا المنصب حتى سنة 1957. وجاء من خلف بن بلّه على رأس المكتب العسكري، فتخلص مني ومن سائر الذين عملوا مع بن بلّه واستمروا أوفياء له…
استدعيت من العقيد المسؤول على المكتب الذي طلب مني كتابة تقرير عن بن بلّه، وفهمت أن التقرير المطلوب سيُستغل ضد بن بلّه فأجبت:
ـ التقرير المطلوب سوف لا يفيدكم لأنني لم أعرف في بن بلّه سوى الصفات الحسنة…
فما كان من العقيد إلا أن قال لي: لا أريد أن أراك في المكتب فأنت مطرود.. وأمر بوقف مرتبي، وبعد ثلاثة أيام استدعيت إلى رئاسة الجمهورية المصرية حيث استقبلني ضابط ليقول لي:
ـ الرئيس جمال عبد الناصر علم بموقفك النبيل من القائد أحمد بن بلّه وأمر بأن يُخصَّص لك مرتب كلاجئ سياسي، تقيم بالقاهرة إلى أن تستقلَّ الجزائر.
أجبت:
ـ بلِّغ سيادة الرئيس شكري، فأنا حاصل على شهادة جامعية بفضل منحة قدَّمتها لي مصر تمكِّنني من كسب قوتي، وقد
عرض عليَّ صديقٌ كويتي أن ألتحق بالكويت كمعلم وأساهم في نشاط التعريف بالثورة الجزائرية هناك.
ـ علمنا أنهم أوقفوا مرتبك، هل تحتاج إلى شيء؟
ـ عندي وفورات تمكنني من شراء التذكرة للالتحاق بالكويت.
ـ غريب أمرك يا سيد عثمان، لأول مرة نعرض على عربي اللجوء السياسي ويرفض، أنت رجل نبيل.
عارض بن بلة عام 1996 عقد مؤتمر للبربرية في باتنة واعتبر النزعة البربرية تيارا مشبوها هدفه تدمير الوحدة الوطنية صنعه الاستعمار الفرنسي منذ الأربعينيات داخل حزب الشعب الجزائري، مما عرضه لهجوم كبير من الصحافة الفرنكو بربرية
وفي الكويت ساهمتُ في تأسيس (لجنة جمع التبرُّعات لمجاهدي الثورة الجزائرية) وكنت مستشارها، كما ترأَّست حملة إعلامية بالكويت، واعترفت بي الحكومة المؤقتة فعيَّنتني ممثلا لها، وعندما جاء فرحات عباس رئيس الحكومة للكويت في زيارة رسمية سنة 1959 انضممت للوفد كعضو فيه، ثم قام وفدٌ برئاسة أحمد فرنسيس وعضوية إبراهيم مزهودي وعلي كافي وأنا في زيَّارة لإمارات الخليج العربي، تعريفا بالثورة وطلب الدعم لها.
أحمد بن بلّه والتعريب
قضى بن بلّه سنتين في الحكم فعرَّب السنة أولى والسنة الثانية ابتدائي. طلب من عبد الناصر مدَّ الجزائر بالمعلمين، فأمر عبد الناصر بإرسال معلمين مصريين دون مرافقة عائلاتهم لهم حتى لا يكلفوا الحكومة الجزائرية مشكلة السكن، وأن تُصرف لهم مرتباتهم بمصر حتى تعيل هذه العائلات. وساهمت الدول العربية في إرسال المعلمين في عملية تعريب للمدرسة الجزائرية.
تكليفي بمَهمَّة في الكويت
عندما قرر بن بلّه القيام بأول خطوة لتأميم المحروقات والمتمثلة في تأميم بناء الأنبوب الثالث الناقل للنفط من حوض الحمراء إلى أرزيو، استدعاني في مايو 1963 وقال لي: “الجزائر في حاجة لتمويل الأنبوب وليس لنا مال وقد سبق أن قلت لي بأن الكويت تكون مستعدَّة لهذا التمويل، ولهذا فقد قرَّرت إرسالك للكويت كرئيس للبعثة الديبلوماسية الجزائرية لمَهمَّة معينة وهي ضمان تمويل الأنبوب، ومدّنا بقرض عاجل لأن الفرنسيين خرجوا وتركوا الخزينة فارغة، فأنا لا أجد ما أدفع به مرتبات الموظفين في الأشهر المقبلة، سياستهم مدّنا بالمال الذي نستحقه بالتقتير والضغط علينا، أريد بهذا القرض أن أضغط عليهم أنا مبينا لهم أننا قادرون على الحصول على المال، وخير من يعرف الكويتيين هو أنت”.
وتوجَّهت للكويت واستجاب الكويتيون وموّلوا بقرض سائر تكاليف الأنبوب التي بلغت سبعة وثلاثين مليون جنيه استرليني، كما قدموا صكا بخمسة عشر مليون دولار عاجلا كهديَّة للدولة الجزائرية الفتيَّة، وحضر وليُّ العهد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح – الذي صار أمير الكويت في ما بعد – في زيارة رسمية رافق بن بلّه لوضع الحجر الأساس لانطلاق الأنبوب في حوض الحمراء.
أحمد بن بلّه والقضية الفلسطينية
بعد أن قدَّمت أوراق اعتمادي بالكويت قررت التوجه للجزائر. وزارني ياسر عرفات رفقة بعض زملائه من قيادة فتح، وكان يعمل مهندسا في وزارة الأشغال الكويتية، فسلمني خمسمائة دولار لخليل الوزير “أبي جهاد” مدير المكتب الفلسطيني في الجزائر.
وصلت للجزائر في شهر أوت 1963، حدّد لي بن بلّه موعدا أتناول فيه معه العشاء في فيلاّ جولي حيث يقيم. استقبلت في نفس اليوم في فندق “أليتي” حيث يقيم خليل الوزير وسلَّمته المبلغ الذي أرسله ياسر عرفات فما كان منه إلا أن قال لي:
ـ لا فائدة من ذلك فقد أغلقت السلطات بالجزائر مكتب فلسطين، وسلمت لي تذكرة سفر لمغادرة الجزائر غدا على الساعة السابعة صباحا.
ـ من حسن الحظ أنني على موعد مع الرئيس هذا المساء وسأثير معه مسألة المكتب.
وتناولت العشاء مع الرئيس، وبعد الحديث في شؤون العلاقة مع الكويت قلت له:
ـ لكن سيدي الرئيس ما قصَّة مكتب فلسطين ولماذا أغلقتموه؟ لقد قابلت مدير المكتب وسلَّمت له مبلغا من المال مصاريف للمكتب أحضرته من رئيس التنظيم ياسر عرفات بالكويت، فأخبرني بقراركم غلقه؟
ـ قال لي الإخوة المصريون بأن عرفات وزملاءه مشبوهون بأنهم مخابرات إنجليزية.
ـ الله أكبر، إنهم مناضلون شرفاء، أعرفهم جيدا، طلبوا مني تنظيم جبهة التحرير الوطني فأعطيته لهم قبل سنوات، هم يعتبرون الثورة الجزائرية مثلهم الأعلى، قرّروا التخلص من وصاية الحكومات العربية، واستلام قضيتهم بأنفسهم أسوة بالجزائر، هم يصدرون مجلة عنوانها “فلسطيننا” تُطبع في قبرص وتُوزَّع سريا على الفلسطينيين، شاركت فيها شخصيا باسم مستعار، تحرض الفلسطينيين على محاربة تبعية قضيتهم للدول العربية، ولهذا فالحكومة المصرية التي تعوّدت السيطرة على القضية الفلسطيينية تحارب هؤلاء الشبان، فسفير مصر بالجزائر المخابراتي علي خشبة يردد في الأوساط السياسية عبارة “بلا فتح ولا غلق”، وفتح هو الاسم المختصر لـ “حركة تحرير فلسطين”، اسم مستمدّ من جبهة التحرير الجزائرية. لي عتاب سيدي الرئيس لماذا تأخذ كلام علي خشبة مسلَّما به؟ لماذا لا تستشير الذين تعرفهم كعثمان سعدي؟
ـ أنت تعرفهم إذن وتضمنهم؟
ـ أضمنهم بقطع الرقبة.
ـ قبل عودتك للكويت اكتب تقريرا بما تعرف عن هؤلاء الشبان الفلسطينيين.
طلب بالهاتف أمامي، وكانت الساعة الحادية عشرة ليلا، الوزير عبد الرحمن الشريف، وأصدر له تعليمات بإعادة فتح المكتب.
وفي الغد اتصل بي خليل الوزير فطلبته للفندق، فأخبرني بأن الوزير عبد الرحمن الشريف اتصل به الساعة الثانية صباح هذا اليوم وطلب منه إلغاء سفره، والتوجه للمكتب للعمل به فقد أصدر الرئيس أوامره بإلغاء سائر التحفظات. وهكذا كنتُ السبب في تجنب الجزائر ارتكاب خطأ في حق الفلسطينيين. كما أن هذه القصة جعلت بن بلّه يأخذ حذره من السفير المصري علي خشبة ويطلب فيما بعد من الرئيس عبد الناصر سحبه نظرا لتدخُّله فيما لا يعنيه بالجزائر. وأثر التقرير الذي كتبته عن “فتح” فكانت نتيجته أن أمر بن بلّه بإرسال أسلحة لمنظمة “فتح” محمولة بطائرتين عسكريتين حطتا بمطار المزة بدمشق في مارس 1965، وكانت شحنة الأسلحة العربية الأولى التي تُقدَّم للفلسطينيين.
أحمد بن بلّه والنزعة البربرية
في 1996 وبتوجيه من الأكاديمية البربرية في باريس، قرّر المؤتمر العالمي للبربرية ((CIB عقد مؤتمر في باتنة يهدف إلى جذب الشاوية إلى القبائل في النزعة البربرية Berberisme، اقتناعا منهم بأن بقاء هذه النزعة محصورة ببلاد القبائل مصيرها التلاشي. واجتمع المجلس التاريخي للولاية الأولى للثورة أوراس ـــ اللمامشة وأصدر لائحة معارضا عقد هذا المؤتمر الذي يهدف لزعزعة الوحدة الوطنية، واتصل بأحمد بن بلّه فأصدر في 28 أفريل 1996 بيانا أيَّد فيه المجلس وهاجم ما يسمى بالمؤتمر العالمي للأمازيغية، واعتبر – وهو ذو الأصل الأمازيغي – النزعة البربرية تيارا مشبوها هدفه تدمير الوحدة الوطنية صنعه الاستعمار الفرنسي منذ الأربعينيات داخل حزب الشعب الجزائري، معتبرا “ألا وحدة وطنية بلا وحدة لغوية، وأن الأمم الحية المتقدمة تعتمد على قاعدة لا وحدة وطنية بلا وحدة لغوية وأن تعدُّد اللغات يعني تعدُّد الأمم”. ونشر البيان في الصحافة فأثار ضجة كبيرة حيث شنت عليه الصحافة الفرنكو بربرية هجوما كبيرا. وقد نُشر البيان في كتابي (الأمازيغ ـــ البربرـــ عرب عاربة) صفحة 179. وأصدر اليمين زروال قرارا بمنع عقد المؤتمر.
قصيدة عن اخطاف الطائرة
رأيت أن أختم هذه العجالة عن حياة هذا القائد الكبير، بقصيدةٍ عن اختطاف الطائرة التي كان فيها مع رفاقه سنة 1956. إن العمل التاريخي والأدبي والثوري الذي أعتز به هو جمعي للشعر الذي قيل في ثورة نوفمبر من أقطار عربية ثلاثة وهي العراق وسورية والسودان، حيث جمعت 468 قصيدة أنشدها 181 شاعر وشاعرة. نُشرت في عدة طبعات، آخرها في ثلاثة مجلدات بعنوان (الثورة الجزائرية في الشعر العربي ــ العراق ــ سورية ــ السودان) نشرتها وزارة الثقافة سنة 2014 طبع دار الأمة.
القصيدة عنوانها “جزر المغرب” للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ألقاها سنة 1956 في أكبر ساحة لدمشق أمام الآلاف من الدمشقيين اجتمعوا في مسيرة احتجاج على قرصنة اختطاف الطائرة. عبارة جزر المغرب أي الجزائر، وأنا أورد جزءا مهما من أبياتها:
جزرُ المغرب يا أسطــــــــــــــورةً تُلبس الأهوالَ لونا مُمتِعا
الأذى تدفع عنه بالــــــــــــــرَّدى طاب أسلوبا لها مُبتَدعـا
تَصنع الثورةَ في أُتّونهــــــــــــــــــا فكرةً تأنف أن تُصْطَنَعـــــــــا
من نفوس ذُبن في حُبِّ الحِمى فتساقطن عليه قِطعـــــــــــــا
تَكتب التارخَ لا تدري لِمَــــــــــــــــا غيرِ أسفار الضحايا مرجِعا
وقع الموت عليها فــــــــــــــــــــــرأى “هَوْلةً” أخشنَ منه موقـــــــعا
الهُداةُ الغُرُّ من لون الـدمـــــــــى فجَّروا للشمس منها مطلعا
أمةٌ سوف تري خالقهــــــــــــــــــــا أنها قد خُلقت كي تُبدعــــــــا
خمسةٌ إن بطونا حملـــــــــــــــــــت مثلهم مع عُقمت أن تضعا
حَمُق الغدرُ أيُثني ساعــــــــــــدا عن كفاحٍ فَقدُ كفٍّ إصبعـــا
خمسةٌ غصّت.. فرنسا بِهِــــــمُ نعم عُقْبى خِسَّةٍ مُرتجَعـــــــــــا
جهِل الصنعة نِكْسٌ أبلـــــــــــــــهٌ سرق الباب وعاف المصنعا
لم أجد أروع من مصطرعِ الــــ ــخير والشرّ إذا ما اصطرعا
أرأيتَ الدهرَ ضَيْما دفعــــــــــــــــــا أم بغيرِ الدّمِ حقّا رجعـــــــــا؟
هذه القصيدة مثبتة في كتابي الثورة الجزائرية في الشعر العربي صفحة 879.
الخلاصة:
أولا: كان أحمد بن بلّه قائدا استطاع أن يكسب ثقة جمال عبد الناصر فيحصل على السلاح والدعم من العرب، الذين كانوا الداعمين لثورتنا التي اُعتبرت أعظم ثورة عرفها العرب في العصر الحديث، والتي ألهمت العرب والمسلمين والأفارقة بل وشعوب العالم أن تهبَّ للتخلص من الاستعمار المباشر.
ثانيا: كان بن بلّه مخلصا للعنصرين المرجعيين لحزب الشعب الجزائري وهما الإسلام والعروبة، اللذين يرى فيهما أساس الوحدة الوطنية للدولة الجزائرية، كان مؤمنا باللغة العربية التي يرى فيها العنصر الموحِّد للجزائريين.
ثالثا: لقد عرفتُه، وعرفت خليفته الهواري بومدين فـأسفت للخلاف الذي كان بينهما. وقد ألححت على بومدين أن يحفظ حياة بن بلّه وأن يعامله في سجنه كنزيل لا كسجين.