أحمد طالب الإبراهيمي.. مثقفٌ في قلب الثورة ودواليب الدولة
رحل الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي يوم 5 أكتوبر 2025م عن هذه الدنيا بعد عمر طويل قضاه في خدمة وطنه منذ شبابه، فقد أنشأ جريدةmusulman Le jeune التي صدرت باللغة الفرنسية سنة 1952م، لنشر الفكر الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولإنقاذ النّخب المُفرنسة من الاغتراب.
شارك في الثورة التحريرية بصفته مسؤولا عن الطلبة، وفي بناء الدولة الجزائرية من خلال إشرافه على وزارة التربية والتعليم وقد تفطّن إلى أهمية مادة التاريخ في تحصين الأجيال بالوطنية فأسرع إلى تعريبها سنة 1966م، ثم تولى حقيبة وزارة الثقافة والإعلام التي ترك فيها بصمته بارزة من خلال تأسيس مجلة “الثقافة”، وتعريب جريدتي “النصر” و”الجمهورية”، ثم أسندت له وزارة الشؤون الخارجية. وانكبّ بعد إحالته إلى التقاعد على كتابة مذكّراته التي كان يراها مادة مفيدة للمؤرِّخين لتلافي التزييف والتحريف في كتابة تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م.
وقد ترك تصريح قويّ مشحون بالصدق أثرا طيّبا في نفسي، ذكر فيه أن الفضل في استقلال الجزائر يعود للشهداء، وليس للأحياء الذين يتصارعون حول السلطة.
مكانة الدكتور طالب في نفسي
يعدّ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من الشخصيات الوطنية التي أكنّ لها احتراما كبيرا، لما تميّز به من محامد كثيرة، فهو إنسانٌ جمع بين التعليمين التقليدي والعصري، ارتقى بفضلهما إلى مصافِّ المثقفين الكبار الذين خدموا وطنهم بإخلاص، وكان التواضع بمثابة “تاج الغار” الذي كلّل مساره، بفضل تحلّيه بالأخلاق الفاضلة الموروثة عن والديه وأجداده.
علاقتي بالدكتور طالب
رغم أنني لم أتشرّف بمعرفة السيد أحمد طالب الإبراهيمي عن قرب، فقد كانت الثقافة جسرا بيننا، فهو أشهر من نار على علم، بحكم تاريخه ومسؤولياته وقلمه السيّال. وقد فاجأني بإهداء نسخة من مذكراته (ج.1) سنة 2006م ، مرصَّعة بالعبارة التالية: «إلى الأخ الأستاذ محمد أرزقي فرّاد تقديرا لجهوده في الدفاع عن مقوّمات الشخصية الوطنية، أهدي “مذكرات جزائري” مع أرقّ التحيّة وأصدق الودّ. الجزائر8/12/2006م». فقلت في نفسي لعله كان يتابع مداخلاتي في البرلمان (1997-2002) ومقالاتي الصِّحافية، خاصة ركن ” ثاموغلي” الأسبوعي في جريدة “الشروق اليومي” آنذاك، وكذا مداخلاتي في القنوات المرئية. على أيّ حال اعتبر شهادته هذه وسام شرف رصّع به مساري الثقافي.
مشاركته في ثورة التحرير
شارك أحمد طالب الإبراهيمي في الثورة، عبر بوابة الاتحاد العامّ للطلبة المسلمين الجزائريين الذي أسّسه في العاصمة الفرنسية في شهر جويلية 1955م، لاستقطاب الطلبة حول الثورة الجزائرية كما هو معروف. وبعد اعتقاله سنة 1957م نجح في تحويل السجن إلى مدرسة لتعليم المجاهدين المعتقلين. واستفاد كثيرا من مكتبة السجن، فقرأ روائع الروايات العالمية، وتمكَّن بذلك من الإلمام بالآداب العالمية، وكان يملأ فراغه بمراسلة أدباء كبار من حجم جاك بيرك. والجديرُ بالذكر أنه نشر تلك الرسائل سنة 1966م في كتاب بعنوان: رسائل من السجن (1957-1961).
موقفه من مؤتمر الصومام
اعتبر أحمد طالب الإبراهيمي مؤتمر الصومام امتدادا لبيان أوّل نوفمبر، انبثقت عنه قراراتٌ هامة دعّمت مسار الثورة تنظيميا وسياسيا، من خلال تأسيس هيئات قيادية (لجنة التنسيق والتنفيذ والمجلس الوطني للثورة الجزائرية)، وتنظيم الجيش والولايات، وإقرار أولوية الداخل على الخارج، وأولوية السياسي على العسكري. ودافع عن هذا المؤتمر في خضمِّ الجدال الذي ثار حوله، موضّحا أن أغلبية القيادات الداخلية كانت حاضرة، وعليه فقد اعتبر الرأي القائل بتخوين قيادة المؤتمر، مساسا صارخا بمصداقية الثورة.
بداية الصراع على السلطة
كان أحمد طالب يرى أن معالم النظام السياسي الحالي، قد برزت بعد اغتيال محمد العربي بن مهيدي من طرف الجيش الفرنسي، واغتيال عبّان رمضان من طرف بعض إخوانه. وأوضح أن مقاليد أمور الثورة لم تكن في يد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، بل كانت في قبضة الباءات الثلاثة (بلقاسم كريم وبوصوف وبن طوبال)، وأقرّ أن الصراع من أجل السلطة قد بدأ خلال هذه الفترة.
موقفه من اتفاقيات إيفيان
كانت اتفاقيات إيفيان -برأيه- مقبولة بصفة عامة بالنظر إلى سياقها التاريخي، إذ لم يكن في الإمكان أكثر ممّا كان، ومكّنت الجزائريين من استرجاع السيادة السياسية كاملة، مشيرا في الوقت نفسه إلى التنازل الذي حصلت عليه فرنسا في الميدان العسكري وهو البقاء في القاعدة البحرية المرسى الكبير لمدة 15 سنة. وكان يعتبر معضلة التبعية الثقافية شوكة في حلق الجزائر في عهد الاستقلال.
علاقته بالرئيس بومدين
تعرّض الإبراهيمي للسجن بطريقة تعسفية في عهد الرئيس أحمد بن بلة، لكن شاءت الأقدار أن يقوم وزير الدفاع هواري بومدين بانقلاب على الرئيس (سُمِّي التصحيح الثوري)، فناداه ليتولى حقيبة وزارة التربية. وظل مقرَّبا من بومدين إلى أن تُوفي في 27 ديسمبر 1978م بعد مرض عضال، وقد رافقه في رحلة العلاج إلى موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي آنذاك (روسيا حاليا). لذا فمن الطبيعي أن يكون موقفه منه إيجابيّا، فأدلى بشهادته ذاكرا إيّاه بالخير، وعدّه رجلا وطنيا أخلص في خدمة وطنه، ولم يمدّ يده إلى المال العامّ، كما أنه لم يسمح لأقاربه باستغلال وجوده في السلطة للثراء والاغتناء. أمّا على مستوى السياسة الخارجية، فقد أخلص الرئيس بومدين في الدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية، وقضايا التحرّر من نير الاستعمار في العالم.
علاقته بالمجاهد حسين آيت أحمد
كانت علاقة الإبراهيمي بالمجاهد حسين أيت أحمد علاقة طيّبة، ولعل تقارب مستواهما العلمي كان حاسما في تقريب وجهات نظريهما في مسألتي تسيير الثورة، وإعادة بناء الدولة الجزائرية. ومن المبرّرات التي قدّمها الرئيس أحمد بن بلة حين اعتقال أحمد طالب الإبراهيمي، اتهامه بالانتماء إلى حكومة معارضة سرية ضمّت حسين أيت أحمد ومحمد بوضياف، وهو ما رفضه المعني، وكل ما في الأمر أنه كان يلتقي مع أيت أحمد علانية، بحكم النضال الوطني المشترك الذي جمعهما أثناء الثورة. وقد ورد على لسان الإعلامي أحمد منصور في حصة “شاهد على القرن” لقناة “الجزيرة” التي أجراها مع أحد طالب الإبراهيمي، أن هذا الأخير طلب من الرئيس بومدين عدم تنفيذ حكم الإعدام بحقّ أيت أحمد الذي اعتُقل في عهد الرئيس أحمد بن بلة في أكتوبر 1964م.
من القضايا الشائكة التي أثارت جدلا في حياة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي حين كان وزيرا للتربية، قضية فصل المفكِّر مالك بن نبيّ من منصبه (مدير التعليم) وما انجرّ عنه من مضايقات كثيرة. لكن المعني كذّب هذا القول، ذاكرا أن بن نبيّ هو الذي ضجر من منصب عمله الذي حرمه من الاهتمام بالفكر والكتابة، فطلب من الوزير إعفاءه منه، فاستجاب لطلبه. وأكثر من ذلك سعى إلى تعيينه مستشارا في الرئاسة.
سعيه لإطفاء نار الفتنة
سعى الإبراهيمي عقب تدهور الوضع السياسي في تسعينيات القرن الماضي بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) بالانتخابات التشريعية في أواخر سنة 1991م، إلى تهدئة الأوضاع مقترِحا حلًّا سياسيًّا مفاده أن يقدِّم هذا الحزب تنازلات حرصا على مصلحة الوطن، ووافق ممثل “الفيس” عبد القادر حشّاني على ذلك، وطلب من أحمد طالب إبلاغ الرئيس الشاذلي بن جديد بالتنازلات التالية:
- تنازل “الفيس” عن المقاعد البرلمانية المتبقية في الدور الثاني لصالح الآفلان لإحداث التوازن بين الحزبين.
- اقتراح تعيين حسين أيت أحمد رئيسا للحكومة.
- الاكتفاء بالوزارات التالية: العدل، التعليم، الشؤون الاجتماعية.
لكن أصحاب القرار آنذاك رفضوا هذا الحلّ السياسيّ، مفضّلين الحلّ الأمني.
دعمه للحراك السلمي
عندما اندلع الحَراك الشعبي السلميّ يوم 22 فيفري 2019م الهادف إلى تغيير سلس للمنظومة السياسية، أعلن السيد أحمد طالب الإبراهيمي مساندته لشباب الحَراك، داعيا المؤسسة الأمنية إلى مرافقته وإلى مناصرة أفكاره الإصلاحية. والجدير بالذكر أنني زرتُه في منزله لتوقيع البيان الذي بادر به في إطار دعم الحَراك السلميّ، وقَّعته مجموعة من الشخصيات السياسية والفكرية.
كانت للسيّد الإبراهيمي الشجاعة الكافية للاعتراف بخطأ السلطة حين أقصت الأمازيغية واختصرت مكوّنات الهوية الجزائرية في العنصرين الإسلامي والعربي فقط، الأمر الذي أدى إلى ظهور حركة ثقافية ناضلت لعقود طويلة من أجل إعادة الاعتبار للمكوّن الأمازيغي. ولا شك أن اعترافه بالخطأ ثم السعي لتصحيح المسار، يعدّ “محمدة” يتحلى بها كبار النفوس الذين لا يرون غضاضة من مراجعة بعض المواقف الخاطئة حرصا على تكريس العدل والمواطنة.
موقفه من الأمازيغية
بالنسبة للقضية الأمازيغية، كانت للسيّد الإبراهيمي الشجاعة الكافية للاعتراف بخطأ السلطة حين أقصت الأمازيغية واختصرت مكوّنات الهوية الجزائرية في العنصرين الإسلامي والعربي فقط، الأمر الذي أدى إلى ظهور حركة ثقافية ناضلت لعقود طويلة من أجل إعادة الاعتبار للمكوّن الأمازيغي. ولا شك أن اعترافه بالخطأ ثم السعي لتصحيح المسار، يعدّ “محمدة” يتحلى بها كبار النفوس الذين لا يرون غضاضة من مراجعة بعض المواقف الخاطئة حرصا على تكريس العدل والمواطنة.
علاقته مع المفكر مالك بن نبيّ
من القضايا الشائكة التي أثارت جدلا في حياة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي حين كان وزيرا للتربية، قضية فصل المفكِّر مالك بن نبيّ من منصبه (مدير التعليم) وما انجرّ عنه من مضايقات كثيرة. لكن المعني كذّب هذا القول، ذاكرا أن بن نبيّ هو الذي ضجر من منصب عمله الذي حرمه من الاهتمام بالفكر والكتابة، فطلب من الوزير إعفاءه منه، فاستجاب لطلبه. وأكثر من ذلك سعى إلى تعيينه مستشارا في الرئاسة.
ورد على لسان الإعلامي أحمد منصور في حصة “شاهد على القرن” لقناة “الجزيرة” التي أجراها مع أحد طالب الإبراهيمي، أن هذا الأخير طلب من الرئيس بومدين عدم تنفيذ حكم الإعدام بحقّ أيت أحمد الذي اعتُقل في عهد الرئيس أحمد بن بلة في أكتوبر 1964م.
رأيه في الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي
تحدّث الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي Albert Camus عن بؤس الجزائريين، خاصة في المقال المطوّل الذي خصصه لمنطقة القبائل بعنوان:Misère de la Kabylie، نشر بجريدةAlger Républicain في شهر جوان سنة 1939م في حلقات. وقد عدّه بعض المثقفين موقفا إيجابيا لصالح الجزائريين، فدعوا في عهد الاستقلال إلى إعادة الاعتبار لهذا الفيلسوف بصفته فرنسيا تجرأ على نقد الاستعمار.عارض أحمد طالب الإبراهيمي هذه المقاربة لأنها ببساطة غير صحيحة، والحقيقة أن هذا الفيلسوف قد اكتفى بالدعوة إلى تحسين الظروف الاجتماعية للجزائريين في إطار السيادة الفرنسية، ولم يجرِّم الاستعمار كما فعل الفيلسوف جان بول سارتر في وقت لاحق. وكان ألبير كامي من أنصار “الجزائر الفرنسية” بدليل أنه أعلن معارضته للثورة الجزائرية في الندوة الصِّحافية التي عقدها في مدينة استوكهولم بالسويد على هامش حفل تسلّمه جائزة “نوبل” للأدب سنة 1957م ، حين قال: «أؤمن بالعدالة، لكنّي سأدافع عن أمّي قبل العدالة». وقد أبدى الدكتور الإبراهيمي موقفه منه بوضوح حين صرّح أن “ألبير كامي كاتبٌ كبير، كتب عن بؤسنا بصفته فرنسيًّا غريبا عنّا”.
أهمية كتابة المذكرات
اعتبر الإبراهيمي كتابة المذكرات بمثابة “واجب الذاكرة”، تفيد المؤرخ الذي من واجبه الابتعاد عن التقديس وعن التبخيس على حد سواء حينما يكتب لإعادة بناء الأحداث الماضية في إطار النزاهة والموضوعية المطلوبة في المقاربة العلمية. ولعل أحسن تعبير عن أهمية كتابة المذكرات، قوله الوارد في الجزء الأول من مذكراته مفاده: «لو ترك كلّ واحد من أبناء جيلي شهادته، لوضع تحت تصرف المؤرخ الجزائري المادة الضرورية للكتابة والتأليف، مادّة تقطع الطريق على كلّ من يريد تنميق الأباطيل، وتلفيق الأكاذيب، ولكن للأسف الشديد رحل الكثير من أولئك الذين أدوا أدوارا هامة سواء في الحركة الوطنية أو أثناء الكفاح المسلح، دون أن يخلّفوا لنا حرفا واحدا، فكان رحيلهم مرادفا لضياع جزء من الذاكرة الجماعية للشعب». لكنّه نبّهنا إلى أن الحرص على تماسك المجتمع قد يجعل الكاتب يسكت عن بعض الأمور عملا بقاعدة “ليس كلّ ما يُعرف يقال”.
يعدّ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من الشخصيات الوطنية التي أكنّ لها احتراما كبيرا، لما تميّز به من محامد كثيرة، فهو إنسانٌ جمع بين التعليمين التقليدي والعصري، ارتقى بفضلهما إلى مصافِّ المثقفين الكبار الذين خدموا وطنهم بإخلاص، وكان التواضع بمثابة “تاج الغار” الذي كلّل مساره، بفضل تحلّيه بالأخلاق الفاضلة الموروثة عن والديه وأجداده.
رحل وفي قلبه حسرة
ترشح الدكتور الإبراهيمي في الانتخابات الرئاسية سنة 1999م وكانت حظوظه كبيرة جدا، لكن الوصاية على السيادة الشعبية حالت دون فوزه. ثم حاول تأسيس حزب سياسيّ يُساهم في بناء الجزائر، فاعترضته مطبّات مفتعَلة لعرقلة مساعيه السياسية الشرعية. وفي الأخير رحل عنّا في قلبه حسرة وفي حلقه غصّة، بسبب إهدار طاقات وطنية كبيرة كانت قادرة على إخراج الجزائر من الحلقة السياسية المفرغة الضارة بالبلاد والعباد. ورغم ذلك فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، فقد تنجب “مذكراته” المفيدة جيلا يسعى لتجسيد الدولة الديمقراطية بمعاييرها النوفمبرية. وهل سيكتب لي القدر أن أعيش لحظة انتصار منطق “سمعنا وأطعنا”، على منطق “سمعنا وعصينا”؟.