الرأي

أخجلتهم يا “لي تشيه كونج”؟!

محمد حمادي
  • 3364
  • 0

في المستشفيات، وفي المطارات، كما في الموانئ وداخل مباني البلديات والدوائر والولايات، شعار واحد تردّده الألسن:”الكل يتعذّب..والكل يتفرّج”، لا المواطن تحصل على خدمات راقية، ولا المسؤول اعترف بحجم التسيب واللامبالاة.. في بلادنا أيضا، للأسف يحدث أن الكهرباء تنقطع لأيام، والماء لشهور، وقنوات الصرف تتدفق منها القذارة لأعوام، ومقاولات تظفر بالملايير، وتترك خلفها حفرا وخنادق ليموت فيها أبناء الشعب، الذين لم يجدوا فضاء يهربون إليه من أجل الترفيه والتسلية. ولكن بالرّغم من كل هذا لا أحدا من المسؤولين يتحرّك؟

الحقيقة المرّة هي أنّ الكوارث والفضائح التي اهتزت لها عديد القطاعات في البلاد في السنوات الأخيرة، حتى جعلتنا مسخرة بين سائر الأمم، لم تحرّك شعرة في المسؤول الجزائري، ولم توقعه تحت طائلة تأنيب الضمير أو الشعور بالذنب، حيال تقصير أو سوء تقدير لمشكلة ما، انجر عنه مأساة شغلت الرأي العام. ولكن لماذا تغيب الشجاعة الأدبية لدى المسؤولين في بلادنا للاعتراف بالخطايا التي ارتكبوها في حق البلاد والعباد؟ لماذا يتوجسون من الاستقالة من المنصب والاعتذار للرأي العام؟ ألهذه الدرجة هم متعلقون بالمنصب ومزاياه؟

البلدان المتقدّمة المتشبعة بقيم الديمقراطية، جعلت من سلوك اسمه احترام الشعب سبيلا للحكم الراشد؛ فهي تتبنى الشفافية في تسيير شؤون البلاد، عبر مصارحة مواطنيها بمكامن الخلل ومواطِن التسيّب والإهمال، وتطرح أمامهم البدائل، ولا تتوان عن الكشف عن المذنبين والمتقاعسين وتقدمهم أمام أجهزة العدالة التي تحتكم لقوانين البلاد لا للمزاجية؛ فتعاقبهم باسم الشعب وتبرئهم باسمه كذلك.

ما تناقلته أمس وسائل إعلام إعلامية عالمية، بخصوص استقالة “لي تشيه كونج” وزير الشؤون الاقتصادية في تايوان بسبب انقطاع الكهرباء لساعات، وما سببه من إزعاج لمواطني هذه الجزيرة الواقعة في قارة آسيا، يبرز حجم الاحترام الذي يكنه مثل هؤلاء المسؤولين لوطنهم، فلم يرض هذا الوزير أن يبقى في منصبه واعترف بفشله، لا لشيء إلا لأنه لم يقدر على تأمين حاجة حيوية اسمها الكهرباء لأبناء بلده.

“لي تشيه كونج” لم يشأ التواري عن الأنظار أو التملص من المسؤولية أو الاختباء وراء تبريرات واهية مثل ما يحدث في بلدنا، بل خرج بكل شجاعة ليعلن استقالته جراء فشله في إدارة قطاعه، وحتى رئيسة تايوان “تساي إينج وين”، اعتذرت لشعبها عن انقطاع التيار الكهربائي عبر مناطق عديدة في البلاد، وتعهدت بإيجاد حلل لهذا الخلل الظرفي.

“لي تشيه كونج” الذي تخلى عن منصب الوزير، بسبب عطب أصاب محطة لتوليد الكهرباء، يدرك جيّدا ما معنى أن تبقى الملايين من العائلات بلا كهرباء في عزّ الحرّ؟، وهو يدرك أيضا حجم الخسائر التي ستلحق بالتجار وكل محترفي الأنشطة المهنية التي تدار فقط بالكهرباء، فضلا عن حالات الإحباط والاستياء التي تتملك المواطنين، بعدما تختفي كل مظاهر الحياة بسبب غياب الطاقة الكهربائية.

حقيقة أنّه لا يمكن أن نضع جميع المسؤولين ببلادنا في سلة واحدة؛ فمنهم الشرفاء والوطنيون والمخلصون والمتفانون في عملهم لدرجة أنهم يضحون ويُهملون عائلاتهم كي يقوموا بواجبهم على أكمل وجه، إلا أنّ وزير الشؤون الاقتصادية في تايوان أحرج وأخجل باستقالته كثيرا ممّن بقوا في مناصبهم بالرغم من تسببهم في مآسٍ لأبناء جلدتهم.

مقالات ذات صلة