-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رَثَاءٌ تَارِيخِيٌّ لِآخِرِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكُوا السُّلْطَةَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ شَرَفِهِمْ

اليَمِينُ زَرُّوَال… الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً

لعلى بشطولة
  • 43
  • 0
اليَمِينُ زَرُّوَال… الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً

مَاتَ أَمْسِ
لَيْسَ كَأَيِّ مَوْتٍ.
مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ. مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ. مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْرِ المُرَادِيَّةِ بِنَفْسِ مَا دَخَلَ بِهِ: لَا شَيْءَ غَيْرَ شَرَفِهِ.
مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال. وَانْتَهَى مَعَهُ جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ. لَيْسَ جِيلَ المَوَالِيدِ. بَلْ جِيلُ مَنْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: وَاجِبٌ.

في الاسْمِ وَصِيَّةٌ
«زَرُّوَال» —بِلُغَةِ الأَوْرَاسِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ— تَعْنِي: صَاحِبُ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. أَيْ مَنْ يَحْمِلُ في عَيْنَيْهِ لَوْنَ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَطِيرُ، يَبْقَى رَجُلَ الأَرْضِ وَالطِّينِ وَالجِبَالِ.
وَ«اليَمِين» —بِالعَرَبِيَّةِ— هُوَ القَسَمُ، وَهُوَ اليَدُ اليُمْنَى الَّتِي يُمَدُّ بِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا البَرَكَةُ.
حِينَ سَمَّاهُ وَالِدَاهُ عَامَ 1941 —وَالجَزَائِرُ لَا تَزَالُ تَئِنُّ تَحْتَ الاحْتِلَالِ— لَمْ يَضَعَا لَهُ اسْماً. وَضَعَا لَهُ مَسَاراً.
فَكَانَ المَسَارُ.

الأَوْرَاسُ لَا يَكْذِبُ
وُلِدَ بِبَاتِنَةَ، فِي قَلْبِ الأَوْرَاسِ. ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمُّ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ رُومَا حِينَ قَاوَمَهَا تَاكْفَارِيناسُ دَماً ومَجْداً، وَأَمَامَ الفَاتِحِينَ حِينَ تَصَدَّتْ لَهُمُ الكَاهِنَةُ بِعِزِّ المَرْأَةِ الحُرَّةِ، وَأَمَامَ فَرَنْسَا الكُبْرَى حِينَ انْبَثَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِنُوفَمْبِرَ 1954 مِنَ الشَّعَابِ وَالوِدْيَانِ.
الأَوْرَاسُ لَيْسَ جُغْرَافِيَا. هُوَ جِينٌ وِرَاثِيٌّ في رُوحِ الجَزَائِرِ
وَمَنْ تَنْبُتُ أَصَابِعُهُ في طِينِهِ، يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا تُعَلِّمُهُ المَدَارِسُ وَلَا تَصُوغُهُ الأَكَادِيمِيَّاتُ: الكِبْرِيَاءُ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي يَقُولُ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ.

سِتَّةَ عَشَرَ عَاماً وَبُنْدُقِيَّةٌ
في عَامِ 1957، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجَاوَزَ السَّادِسَةَ عَشَرَ، الْتَحَقَ بِجَيْشِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ.
طِفْلٌ. بُنْدُقِيَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ كَتِفَيْهِ. وَجَبَلٌ أَمَامَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.
لَمْ يَحْتَجْ أَحَداً لِيَشْرَحَ لَهُ لِمَاذَا. كَانَ كَافِياً أَنْ يَرَى أُمَّهُ تَمْشِي مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ في بَلَدِهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ في جَوَازِ سَفَرِ أَبِيهِ كَلِمَةً تَقُولُ «فَرَنْسِيٌّ» وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَكْذَبُ مَا كُتِبَ في تَارِيخِ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.
رَفَاقُهُ في الجِبَالِ سَمَّوْهُ “أَسَدَ الأَوْرَاسِ”. لَمْ يَرْفُضْ. لَمْ يَقْبَلْ. مَشَى إِلى الأَمَامِ.

مُوسْكُو وَبَارِيس: يَتَعَلَّمُ مِنَ العَدُوِّ وَلَا يَصِيرُهُ
بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حِينَ جَلَسَ كَثِيرُونَ يَنَامُونَ عَلَى وِسَادَةِ أَمْجَادِ الثَّوْرَةِ، ذَهَبَ زَرُّوَال إِلى القَاهِرَةِ، ثُمَّ إِلى مُوسْكُو عَامَ 1965، ثُمَّ إِلى مَدْرَسَةِ الحَرْبِ في بَارِيسَ —نَعَمْ، في بَارِيسَ، بَلَدِ المُسْتَعْمِرِ بِالأَمْسِ— لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الحَرْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الاسْتِعْمَارِ.
هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ رَجُلِ دَوْلَةٍ حَقِيقِيٍّ وَمُقَلِّدٍ: الأَوَّلُ يَأْخُذُ الأَدَاةَ وَيَتْرُكُ الرُّوحَ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ الرُّوحَ وَيَضِيعُ.
عَادَ لِيَبْنِيَ أَكَادِيمِيَّةُ شَرْشَالَ (1981)، وتَمَنْرَاسَتُ (1982)، وبَشَارُ (1984)، وقَسَنْطِينَةُ (1987). ثُمَّ جِنِيرَالاً عَامَ 1988. ثُمَّ قَائِداً لِلْقُوَّاتِ البَرِّيَّةِ عَامَ 1989. رَجُلٌ يَبْنِي لَبِنَةً لَبِنَةً، لَا يَقْفِزُ، لَا يَتَزَاحَمُ، لَا يَنْتَظِرُ شُكْراً.

«لَا أُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»
في عَامِ 1990، اخْتَلَفَ مَعَ الرَّئِيسِ الشَّاذْلِي بِنْ جَدِيدَ. لَمْ يُسَاوِمْ. أَرَادُوا أَنْ يُبْعِدُوهُ بِهُدُوءٍ، فَعَيَّنُوهُ سَفِيراً في بُخَارِسْت.
قَبِلَ. ذَهَبَ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ وَقَالَ الجُمْلَةَ الَّتِي تُكَثِّفُ رُوحَهُ كُلَّهَا:
«لَا أُرِيدُ أَنْ يَدْفَعُوا لِي رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»
تَوَقَّفْ. اقْرَأْهَا مَرَّةً أُخْرَى.
في زَمَنٍ يَتَقَاتَلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مَقَاعِدِ السَّفَارَاتِ وَمَنَافِعِهَا، رَفَضَ هُوَ مَقْعَداً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ فِيهِ شَيْئاً حَقِيقِيّاً. عَادَ إِلى بَيْتِهِ في بَاتِنَةَ. وَأَغْلَقَ الأَبْوَابَ. وَظَنَّ أَنَّ المَسَارَ انْتَهَى. لَمْ يَنْتَهِ.
يَنَايِرُ 1994: الوَطَنُ يَنَزِفُ وَيَسْتَدْعِيهِ
كَانَتِ الجَزَائِرُ تَحْتَرِقُ. لَيْسَ مَجَازاً. مِئَةُ أَلْفِ شَهِيدٍ —وَهَذَا رَقْمٌ لَا يُدْرَكُ ثِقَلُهُ إِلَّا حِينَ تَتَخَيَّلُ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا مُحِيَتْ مِنَ الخَرِيطَةِ. آبَاءٌ يَدْفِنُونَ أَبْنَاءَهُمْ. أُمَّهَاتٌ لَا يَعْرِفْنَ أَيَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ الأَخِيرَ. وَالدَّوْلَةُ في فَرَاغٍ مُؤْلِمٍ.
أَرَادُوا رَجُلاً لِلمُرَادِيَّةِ. ذَهَبُوا إلى بُوتَفْلِيقَةَ أَوَّلاً. رَفَضَ. فَعَادُوا إِلى الرَّجُلِ الصَّامِتِ في بَاتِنَةَ.
وَدَوَّنَ الجِنِيرَالُ خَالِدُ نَزَّارُ في مُذَكِّرَاتِهِ —وَهِيَ وَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ في تَارِيخِنَا السِّيَاسِيِّ المَكْتُوبِ— أَنَّ زَرُّوَال كَانَ «الأَكْثَرَ ارْتِبَاكاً» في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ:
«قَبِلَ، بِدَافِعِ الوَاجِبِ، أَنْ يَصِيرَ رَئِيساً لِلدَّوْلَةِ»
لَيْسَ بِفَرَحٍ. لَيْسَ بِطَمَعٍ. بَلْ: بِدَافِعِ الوَاجِبِ.
في الثَّلَاثِينَ مِنْ يَنَايِرَ 1994، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَادِيَّةِ بِلَا شَهْوَةِ السُّلْطَةِ، وَبِكَامِلِ ثِقَلِهَا فَوْقَ صَدْرِهِ.

المَرْأَةُ الَّتِي صَوَّتَتْ وَهِيَ تَرْتَجِفُ
«لَا تَخْرُجُوا، سَنَذْبَحُكُمْ.»
هَكَذَا قَالَتِ الجَمَاعَاتُ المُسَلَّحَةُ قَبْلَ انْتِخَابَاتِ نُوفَمْبِرَ 1995.
وَلَكِنَّ فَاطِمَةَ —أَوْ خَدِيجَةَ، أَوْ زَهْرَةَ، أَوْ أَيَّ اسْمٍ تَشَاءُ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ أَخَاهَا في العَشْرِيَّةِ— لَبِسَتِ الجِلْبَابَ الأَسْوَدَ صَبَاحَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ المَرْآةِ لَحْظَةً، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ دَفَنَ حَبِيباً: «سَأَذْهَبُ.»
وَذَهَبَتْ.
يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حِينَ وَضَعَتِ الوَرَقَةَ في الصُّنْدُوقِ. لَمْ تَكُنْ تُصَوِّتُ لِرَجُلٍ. كَانَتْ تُصَوِّتُ ضِدَّ الذَّبْحِ. كَانَتْ تُصَوِّتُ لِحَقِّ ابْنِهَا في أَنْ يَرْقُدَ في قَبْرِهِ بِسَلَامٍ، وَلِحَقِّهَا هِيَ في أَنْ تَنَامَ لَيْلَةً وَاحِدَةً من دُون خَوْفٍ.
وَكَانَتْ مِنَ الـ74,24% الَّذِينَ خَرَجُوا ذَلِكَ اليَوْمَ رَغْمَ التَّهْدِيدِ. وَهَذَا الرَّقْمُ أَعْلَى نِسْبَةِ مُشَارَكَةٍ في تَارِيخِ الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ لَيْسَ إِحْصَاءً. هُوَ أَنِينُ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ خَرَجَ لِيَقُولَ: نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ.
فَازَ زَرُّوَال بِـ61,34% مِنَ الأَصْوَاتِ. لَكِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ كَانَ لِفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَزَهْرَةَ.

الرَّحْمَةُ: الكَلِمَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍ
حِينَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ المُسَلَّحِينَ التَّائِبِينَ إِلى مُجْتَمَعَاتِهِمْ، لَمْ يُسَمِّ سِيَاسَتَهُ «العَفْوَ» القَانُونِيَّ الجَافَّ وَلَا «إِعَادَةَ الإِدْمَاجِ» البِيرُوقْرَاطِيَّةَ. سَمَّاهَا: الرَّحْمَةُ.
وَفِي هَذَا الاخْتِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَحْدَهُ تَنَامُ فَلْسَفَةُ رَجُلٍ بِأَكْمَلِهَا.
الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفاً. هِيَ قُوَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي فَقَدَ مِئَةَ أَلْفِ ابْنٍ لَا يَحْتَاجُ مَزِيداً مِنَ الدَّمِ. يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَتَنَفَّسَ.
الحُرُوبُ لَا تَنْتَهِي دَائِماً بِرَصَاصَةٍ أَخِيرَةٍ. أَحْيَاناً تَنْتَهِي بِكَلِمَةٍ.

أَمْرِيكَا تَطْرُقُ بَابَهُ
في دِيسَمْبِرَ 1997، جَلَسَ السَّفِيرُ الأَمْرِيكِيُّ كَامِيرُون هِيُومْ أَمَامَهُ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً. حَاوَلَ بِكُلِّ دِبْلُومَاسِيَّةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ العُظْمَى أَنْ يُقْنِعَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ.
وَحِينَ انْتَهَى اللِّقَاءُ، كَانَ زَرُّوَالُ زَرُّوَالاً. لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِسَفِيرِ أَقْوَى دَوْلَةٍ في العَالَمِ إِلَّا فِنْجَانُ بُنٍّ أَضَافَهُ النَّادِلُ.
في تَارِيخِ الجَزَائِرِ، كَثِيرُونَ مَنِ انْحَنَوا أَمَامَ أَمْرِيكَا. وَكَثِيرُونَ مَنِ ادَّعَوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَنُوا. أَمَّا زَرُّوَالُ فَكَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّالِثِ النَّادِرِ: مَنْ لَا يُفَكِّرُ في الأَمْرِ أَصْلاً.

لَيْلَةُ وِنْدْهُوكَ
سِبْتَمْبِرَ 1998. وِنْدْهُوكَ، النَّامِيبُ. ضَيْفاً عِنْدَ الرَّئِيسِ سَامْ نُوجُومَا.
فِي حَدِيقَةِ الإِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَحِيداً تَحْتَ سَمَاءِ إفْرِيقِيَا المَفْتُوحَةِ، رَاحَ يَمْشِي. سِيجَارَةٌ بَعْدَ سِيجَارَةٍ. اللَّيْلُ يَمْضِي. لَا أَحَدَ.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يَدُورُ في رَأْسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. لَكِنَّنَا نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ.
فَجْراً، في الطَّائِرَةِ الرِّئَاسِيَّةِ عَائِدَةً إِلى الجَزَائِرِ، جَمَعَ مُرَافِقِيهِ. كَانَ هَادِئاً. كَانَ جَادّاً. وَقَالَ:
«تَعْلَمُونَ أَنِّي أَرَدْتُ الرَّحِيلَ مُنْذُ عَامٍ. الوَقْتُ قَدْ جَاءَ. يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَ المَكَانَ لِغَيْرِنَا. سَأَرْحَلُ»
في تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، قَلَّمَا قَالَ زَعِيمٌ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً: «سَأَرْحَلُ.» قَالَهَا وَاشِنْطُونُ حِينَ رَفَضَ الوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ فَأَسَّسَ الجُمْهُورِيَّةَ. وَقَالَهَا زَرُّوَالُ فَوْقَ إفْرِيقِيَا في طَائِرَةٍ لَا شُهُودَ فِيهَا غَيْرُ مُعَاوِنِيهِ.
الأَوَّلُ نَحَتَ لَهُ التَّارِيخُ تِمْثَالاً مِنَ الذَّهَبِ. وَالثَّانِي لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى صُورَةً.

سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الذَّهَبِ الصَّامِتِ
مَضَتْ سَنَةٌ. مَضَتْ عَشْرٌ. مَضَتْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.
لَمْ يَكْتُبْ مُذَكِّرَاتٍ. لَمْ يَمْنَحْ مُقَابَلَةً. لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى شَيْءٍ. لَمْ يُؤَسِّسْ حِزْباً. لَمْ يَظْهَرْ. لَمْ يَشْكُ. لَمْ يَتَذَمَّرْ. بَيْتُهُ في بَاتِنَةَ كَمَا هُوَ. وَنَافِذَتُهُ تُطِلُّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الَّذِي وَلَدَهُ. وَيَكْفِيهِ.
في 2019، حِينَ قَامَ الحَرَاكُ، جَاءَهُ أَقْوَى رَجُلٍ في الظِّلِّ الجَزَائِرِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ قِيَادَةَ المَرْحَلَةِ. كَانَ جَوَابُهُ مَا يَجِبُ دَائِماً: «يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ الجِيلُ الجَدِيدُ مَكَانَهُ.»
لَيْسَ تَوَاضُعاً. بَلْ حِكْمَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّعَامَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانَكَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.
مَا قَالَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَلَمْ يَقُلْهُ
كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَتِهِ الخَالِدَةِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ وَلَا تَدُومُ إِلَّا بِالعَصَبِيَّةِ، تِلْكَ الرُّوحُ الجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَضَعُ مَصْلَحَةَ الجَمَاعَةِ فَوْقَ مَصْلَحَتِهِ.
زَرُّوَالُ كَانَ تَجَسُّدَ العَصَبِيَّةِ في إِنْسَانٍ وَاحِدٍ. لَمْ يَقْرَأِ المُقَدِّمَةَ لِيَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ. وُلِدَ يَحْمِلُهُ في دَمِهِ وَطِينِ الأَوْرَاسِ.
لَوْ عَاشَ ابْنُ خَلْدُونَ حَتَّى يَرَى هَذَا الرَّجُلَ يَقُولُ «سَأَرْحَلُ» في طَائِرَةٍ فَوْقَ إفْرِيقِيَا، لَأَضَافَ إِلى المُقَدِّمَةِ فَصْلاً سَمَّاهُ: «حِينَ تَتَجَسَّدُ الفَضِيلَةُ في إِنْسَانٍ.»

الجَبَلُ يَعُودُ إِلى الجَبَلِ
مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال الثَّامِنَ وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ 2026 في مُسْتَشْفَى الجَيْشِ بِالجَزَائِرِ العَاصِمَةِ، عَنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ عَاماً.
كَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّسِعَ لَهُ حَيَاةُ إِنْسَانٍ: طُفُولَةٌ تَحْتَ الاحْتِلَالِ، وَشَبَابٌ في الثَّوْرَةِ، وَنُضُجٌ في البِنَاءِ، وَجِهَادٌ في سِنِيِّ الجَحِيمِ، وَشَيْخُوخَةٌ في الصَّمْتِ الكَرِيمِ.
أَمَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاتُهُ قَطُّ: النِّفَاقُ. الطَّمَعُ. الاسْتِئْثَارُ. تَرْكُ البِلَادِ أَفْضَلَ حَالاً مِنْهُ.
تَبْكِي الجَزَائِرُ الْيَوْمَ. وَدُمُوعُهَا حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ في قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تُوَدِّعُ رَجُلاً فَقَطْ. تُوَدِّعُ مِرْآةً كَانَتْ تَرَى فِيهَا مَا تَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَهُ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ يَتَسَاءَلُ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ هَذَا الوَطَنَ يَوْماً: لِمَاذَا نَبْكِي عَلَى رَجُلٍ عَاشَ صَامِتاً وَرَحَلَ صَامِتاً؟ لِأَنَّ الصَّمْتَ الكَرِيمَ —في بِلَادٍ كَالجَزَائِرِ وَفي زَمَنٍ كَهَذَا— أَعْلَى دَرَجَاتِ الفَصَاحَةِ. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَا يُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ —في عَالَمٍ يَتَزَاحَمُ فِيهِ الجَمِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ— هَذَا الرَّجُلُ لَا يُعَادُ.
وَدَاعاً يَا اليَمِينُ. يَا آخِرَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكُوا السُّلْطَةَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ شَرَفِهِمْ
رَحِمَكَ اللهُ وَأَسْكَنَكَ جَنَّةً تَلِيقُ بِمَنْ لَمْ يَرْضَ يَوْماً بِمَا دُونَ الكَرَامَةِ
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!