الرأي

أخجلنا السنوار

يكفي أنك المطلوب الأول من الطغمة الصهيونية التي مارست في غزة الفاضلة، ما لم يمارسه هولاكو خان في بغداد. يكفي أنك معذّبُهم بقدر ما يُعذبهم إخوانك في “كتائب القسام” و”سرايا القدس” بالبرد والنار. تقوّض نومهم وتتحوّل لهم في منامهم وصحوهم إلى كوابيس، فلا يجدون من مُسكّن غير القتل ونسف الأطلال. يكفي أنك صدقت كما صدق إخوانك ما عاهدتم الله عليه من جهاد حتى النصر أو الشهادة، فمنكم من قضى نحبه ومنكم من ينتظر، نصرا من الله قريبا.
أخجلتم العالم بصبركم وبثباتكم على الحق، وأنتم تعيشون ما لم يعشه بشر، في كل زمان ومكان.
يقول المسلمون إن الشهداء يرحلون جسدا ويخلدون فكرا، وهم في كل الأحوال عند ربهم يرزقون، ويقول المسيحيون إن أساس النصر هو التضحية، ويضربون في ذلك مثلا عن قصَّة الصلب المزعوم للنبي عيسى، عليه السلام، من أجل أن يعيش نصرانيو العالم في أمان، وحتى اليهود أنفسهم يعتبرون “عيد الغفران” الذي يحتفلون به، ذكرى عن جوائز التضحيات التي قاموا بها من أجل ديانتهم اليهودية. وسيكون من البلاهة أن يظن الصهاينة بأن الوصول إلى يحيى السنوار، هو نهاية المقاومة ونصر لهم، فالرجل مثل اسمه سيبقى حيا ويحيى في قلب كل المستضعفين، وسيبقى ما تقوم به المقاومة وهي تواجه جنود العالم وأسلحة القرن، مدرسة رجولة وشجاعة، سواء اكتفت بما حققته في السابع من أكتوبر الخالد، أو بما تحققه الآن ومستقبلا.
نشعر بالخجل أمام ذاك الشيخ الغزاوي الذي افترش الركام، وما أعار البرد الذي قرس وجهه بزرقة الوهن، وهو يقول: “أقتلونا جميعا، خرِّبوا ما شيدناه في عقود، أرسلونا إلى خالقنا ببطشكم، فلن نبرح غزة أحياء، ولا أمواتا”.
نشعر بالخجل أمام تلك السيدة المسنّة وهي تركّز ذاكرتها لتستمع إلى أسماء الشهداء من أبنائها وأحفادها، وترى بأن لا بيت لها غير المجهول، فتقول بصبر أعيا الصابرات من بعدها: “الله أعطى وأخذ، حمدا له في الحالتين”.
نشعر بالخجل أمام شباب وأطفال لا مهنة لهم ولا شغل، غير البحث تحت أطنان من الركام عن نفس أو آهٍ تشهق بالحياة، ونشعر بالخجل أمام مقاومين حفاة، يدكّون “الجيش الذي لا يُقهر” بأسلحته التي “لا تقاوَم”، والمدعّم بالقوة الأولى في العالم، وبصمت العالم بأسره.
بل نشعر بالخجل حتى أمام حجر وتراب غزة، الذي تلقى من النار والحديد، حتى لان وتفجّرت منه المشاعر.
أخجلنا السنوار وأخجلتنا غزة، وحدكم تحاربون العالم في حرب كونية لا حليف فيها لغزة، سوى غزة، ولإبليس حلفاء من الشياطين والبشر.
أخجلتنا يا سنوار، وأخجلت الخجل نفسه، فما حققه أهل غزة في معركة الحياة و”طوفان الأقصى”، هو نقطة نهاية، لكل قصص الانتصارات والتضحيات، والصبر الجميل، في تاريخ الإنسانية، التي فقدت إنسانيتها.

مقالات ذات صلة