-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أخطأ الشيخ الددو وجلّ من لا يخطئ

محمد بوالروايح
  • 3759
  • 0
أخطأ الشيخ الددو وجلّ من لا يخطئ

إن من علم الرجل ما يغني عن التعريف به فالشيخ محمد الحسن الددو أشهر من علم وهو الحافظ المتبصر والمتبحر في علوم الشريعة، ويكفي أنه من عائلة الشنقيطي التي ورثت العلم الشرعي كابرا عن كابر. لكن في فكر الشخص –لدى بعض المنتقدين- ما يزهّد الناس في فقهه، فانتماء الشيخ الددو الحركي وتبنيه المنهج الإخواني الذي يقوم على مسألة جوهرية وهي مسألة الحاكمية هو الذي جعل هؤلاء يضعونه في زاوية معينة ويحكمون عليه بناء على حكمهم وموقفهم من التيار الحركي الذي ينتمي إليه من دون اهتمام بما يحمله من أفكار خارج دائرة الانتماء الحركي.

تكلم الشيخ محمد الحسن الددو في “بودكاست” عن قضايا كثيرة ومنها –كما قال- النكبات الست التي نكبت بها الأمة الإسلامية والتي أعاقتها عن التوحد والتجنّد لمواجهة المخططات التدميرية التي يحيكها لها أعداؤها، ومن جملة ما قاله، حديثه عما سماه “النكبات الست” التي نكبت بها الأمة، وقال إن أولها: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يترك دستورا ولا طريقة لاختيار الحاكم من بعده، وترتَّب على وفاته: حركة مانعي الزكاة، والرِّدَّة، وظهور مدّعي النبوة.

وانبرى بعض المتجلببين بالسنة إلى اتهام الشيخ الددو بالإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بنقص البلاغ واتهام الشريعة بالنقصان، كما كتب عبد الرحمن راضي العماري الذي أحسبه من الفئة التي تحدّثت عنها التي لا تملك في جعبتها إلا فقه التكفير لمجرد شبهة وكأنها وجدت ضالتها وحانت لها الفرصة الذهبية للانتقام من خصومها بالتستر وراء السنة، وليِّ أعناق النصوص وتطويعها لتوافق هواهم ولتشفي غليلهم. وهذا جزء مما كتبه العماري: “لن تفهم سر وقوع بعض المنتسبين إلى العلم، كالددو ومن دونه ممن يجمعهم إطار فكري منهجي واحد أو متقارب وربما جمعتهم كيانات وجماعات رغم ما يظهر منهم من حرص على قضايا الأمة ونصرة المستضعفين، وما يروج عنهم من الرسوخ في العلم، في مثل هذه الأخطاء الفاحشة إلا إذا علمت أنهم حصروا الدين في قضية الحاكمية والصدام مع الحكام، حتى غلوا فيها غلوا عظيما”.

من عدالة المنتقد أن لا يخفي محاسن من ينتقده أو ينكر مكانته في العلم، إلا إذا كان من الفئة التي تحدثت عنها التي يخيل إلى كل من يعرف منهجها أنها تؤدي دور رهبان الكنيسة في منح صكوك الغفران ووسم من يخالفهم بالهرطقة والخروج عن الجادة وإتباع الهوى بل والخروج عن الملة من غير حجة مبينة.

لقد وصف العماري الشيخ الددو بأنه “من المنتسبين إلى العلم” وهذا إنكارٌ يخالف شيم العدالة والنزاهة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم ناهيك عن رجل عالم كما يبدو من محتوى منشوره، فانتقاد الشخص لا يعني إنكار مقامه ومكانته مما هو معروف لا يختلف فيه اثنان؛ فالشيخ الددو -رغم اختلافنا الفكري معه ومع ثلة من إخوانه- قامة كبيرة من قامات العلم الشرعي، ولا أحسب أن منتقده راضي العماري يبلغ مدّه أو نصيفه في ذلك، فالشيخ الددو حافظ للمتون والأسانيد وملمّ بما في بطون أمهات الكتب التي هي عمدة كل سالك ودليل كل باحث عن العلم الشرعي، فكيف يقبل أن يصفه منتقده بأنه من المنتسبين إلى العلم؟ هذا شطط وإبخاس حق والله تعالى يقول: “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”. (هود 85).

من مقتضيات النقد الموضوعي أن يلتزم الناقد بما ذكره من يروم نقده لا أن يثير قضايا جانبية لا صلة لها بذلك ومن قبيل أن يقحم راضي العماري الحديث عن جماعة الشيخ الددو وتياره الفكري والحركي، فبذلك يخرج النقد عن إطاره ويتحول إلى محاكمة عامة وكيدية وهذا مخالفٌ لمقتضيات النقد الموضوعي ولآداب الاختلاف. صحيحٌ أن جماعة الإخوان قد غالت في مسألة الحاكمية وبنت عليها أحكاما لا تتفق مع روح الشريعة ومن جملتها السعي لجمع الحاكم والمحكوم على كلمة سواء خدمة للإسلام وحرصا على بقاء اللحمة التي تربط بين مكوناتها بغضِّ النظر عن اختلاف آرائهم ومذاهبهم طالما أنها لا تحيد عن الأصول العقدية الكبرى التي لا يجوز المساس بها بأي حال من الأحوال.

ينبغي من باب الإنصاف تذكير راضي العماري وأمثاله بأن الشيخ الددو تحدث في “البودكاست” عن تعيين الحاكم وليس عن الحاكمية. فما كتبه العماري تصحيفٌ لما قاله الشيخ الددو، يقول العماري: “كيف يقبل منصفٌ ما قاله إذ نسب ردة العرب بعد وفاة النبي وما جرى من أزمات في الأمة إلى أن النبي لم يضع دستورا يبيِّن فيه للأمة أحكام مسألة الحاكمية، وكيفية التعامل مع الحاكم، وطرق تعيينه وعزله؟”. ما كتبه العماري فيه تلفيق وزيادة لا أصل لها وهو تصحيف لما قاله الشيخ الددو.

من ديدن من ينتسبون إلى الفئة التي ذكرتُها المسارعة إلى إلحاق خصمها بالخوارج تارة وبالشيعة تارة أخرى، فكل من يقول قولا يخالفهم –ولا أقول يخالف السنة لأن هناك فرقا بين السنة وبين من يدعون وصلا بها- فهو من الخوارج، وهذا ما كتبه راضي العماري: “ما يصدر عن الشيخ الددو وغيره كمحمد إلهامي ومحمد الصغير وأمثالهم –في الحقيقة– امتدادٌ لبذرة زرعها الخوارج قديما، ثم التقطها المودودي وقطب، فبذلوا الجهد في تزيينها والتنظير لها وتربية أجيال عليها”. ولا تتورع هذه الفئة في الوصل بين من يخالفهم وبين الشيعة وهذا ما قاله العماري عن الشيخ الددو: “ثم إننا نعجب من التوافق والتقارب الشديد حتى في التنظير السياسي والشرعي بين هؤلاء والشيعة، فإن من اطَّلع على موقف الشيعة من قضية الولاية والحاكمية والاستخلاف لوجد تقاربا شديدا بين هذا التنظير، وذلك فليكن هذا في الحسبان، وإلى الله المشتكى”.

لم يكن هناك داع لهذا اللغط والجعجعة والزوبعة التي تولى كبرها العالم والجاهل وتحوّلت إلى مادة دسمة في وسائل التواصل الاجتماعي، كان المطلوب استيضاح ما أشكل على الفهم أو أدى إلى سوء الفهم من الشيخ الددو، ويبدو أنه قد قام بذلك فعلا في تسجيلين علمت بهما ولكنني لم أتمكن من الاطلاع على محتواهما. لا يصل ما قاله الشيخ الددو إلى حد وصفه بـ”المسيء” للحضرة النبوية وللرسالة الخاتمة ونفي الكمال عنها واتهامها بالنقصان كما كتب راضي العماري، فكل ما في الأمر في أسوأ الحالات أن الشيخ الددو أخطأ وجلّ من لا يخطئ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ليس هناك من هو منزَّه عن الخطأ مهما علا كعبه في العلم ومهما بلغ من الفهم والشيخ الددو ليس بِدعا من ذلك ويجري عليه ما يجري على غيره، فمما تعلمناه هو استيلاء النقص على جملة البشر كما قال العماد الأصفهاني.

قال الشيخ محمد الحسن الددو في سياق حديثه عن “أم النكبات” التي نكبت بها الأمة الإسلامية وهي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إن هذه النكبة ترتب عنها ظهور مانعي الزكاة وحركة الردة ومدعي النبوة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دستورا ولا طريقة لتعيين الحاكم، وينبغي من باب الإنصاف تذكير راضي العماري وأمثاله بأن الشيخ الددو تحدث في “البودكاست” عن تعيين الحاكم وليس عن الحاكمية. فما كتبه العماري تصحيفٌ لما قاله الشيخ الددو، يقول العماري: “كيف يقبل منصفٌ ما قاله إذ نسب ردة العرب بعد وفاة النبي وما جرى من أزمات في الأمة إلى أن النبي لم يضع دستورا يبيِّن فيه للأمة أحكام مسألة الحاكمية، وكيفية التعامل مع الحاكم، وطرق تعيينه وعزله؟”. ما كتبه العماري فيه تلفيق وزيادة لا أصل لها وهو تصحيف لما قاله الشيخ الددو.

إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يضع للأمة دستورا بالمعنى المستخدَم في التشريع الدستوري ولكنه ترك كتابا وسنة، يحددان المعالم الكبرى التي يمكن الاهتداء على ضوئها إلى طريقة رشيدة في تعيين الحاكم الذي يحفظ للأمة شريعتها ويحافظ على مكانتها، وبناء على ذلك ليس للمرتدين حجة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تسوغ لهم الردة، فالدين دين الله وليس دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد راجت إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحُد فأثَّر ذلك على بعض النفوس الضعيفة ورأى أنس بن النضر جماعة من المسلمين وقد ألقوا سيوفهم ولما استفسر منهم قالوا: “مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هناك في الجانب الآخر من استمروا في القتال وتنادوا: موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. في خضم ذلك نزل قوله تعالى: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين”. (آل عمران 144).

وليس لمانعي الزكاة حجة للامتناع عن أدائها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فالزكاة شأنها شأن كل العبادات والمعاملات، فرضها الله ولم يفرضها محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتبجح المتبجحون والممتنعون عن أدائها بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه الذي أرسله إلى أهل اليمن: “..وأعلمهم بأن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وتردُّ على فقرائهم”.

وليس لمدعي النبوة حجة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عنأبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!