الرأي

أخلاقيات الطب.. إلى أين تسير؟

الشروق أونلاين
  • 3345
  • 4

هذا المقال المختصر هو سعي للتنبيه والتذكير أكثر منه أي أمر آخر، والمسألة تتصل في عمومها بما يمكن تسميته بـ”أخلاقيات المهنة” التي صارت مادة (مقياسا) في بعض الأقسام والكليات الجامعية في بلدنا، تتنوع مفرداتها وتتلوّن بتلوّن المهنة التي يمكن التركيز عليها: تربية وتعليم ـ محاماةـ وظائف إدارية ـ طب وصيدلة… لكنها تجتمع كلها في منظومة متكاملة منسجمة هي ما يمكن تسميته بـ”أخلاق العمل”، وهي ـ حينئذ ـ أوسع من أخلاقيات المهنة، لأن العمل أوسع وأرحب من المهنة أو الوظيفة أو الحرفة، وهي جميعها تندرج تحت مصطلح العمل.

ويمكن أن نشير- على شيء من التعجّل –  إلى أن الأخلاق هي مجموعة أو منظومة من الصفات والسمات والقيّم الراسخة في النفس تدلّ عليها الأعمال والتصرّفات والسلوكات، بل حتى اللباس والزيّ والمواقف يمكن أن تدلّ وتشير إلى أخلاق الإنسان رجلا كان أو امرأة.

وما يدفع ـ دفعا ـ إلى بحث هذا الموضوع وإثارته هي الركام الهائل من المشكلات في عالم العمل في مجتمعنا الجزائري المبتلى ببؤس بالغ في سيرورته وتدبير شأنه وحركته، تكاد تجعل حالة تقدّمه وازدهاره أمرا ميئوسا منه؛ ففي عالم العمل ـ مثلاـ نسجِّل عشرات من الملاحظات السلبية اللصيقة بالعمل والشغل في أي ميدان كان مثل: الغيابات غير المبررة، والزوغان من العمل بمئات الآلاف من الساعات بتغطية المرض، فضلا عما نقرأ ونسمع يوميا عن قضايا ذات الصلة بالتقصير واللامبالاة وسوء الأداء وضعف التسيير والمحاباة، إلى جانب الصراعات والاحتكاكات التي تؤدي إلى الإضرار بالمصالح العامة ومصالح الناس.. كل ذلك في تصوّري له صلة بأخلاق العمل، بما يجعلنا نجازف بالقول: إننا على مسافة بعيدة جدا من منظومة أخلاق العمل، كما يجب أن تكون وكما هي في واقع عديد البلدان المتقدمة؛ حيث يُقاس الإنسان بإتقانه لعمله واستيفائه لشروط أخلاق العمل وواجباته.

“أين نحن من أخلاقيات مهنة الطب في ضوء ما نعيشه من فوضى عارمة في مستشفياتنا وعياداتنا الحكومية وعياداتنا الخاصة والتي لا تفتأ الصحافة تكتب عنها ووسائط الإعلام تعرض أشرطة مؤلمة عن مخازٍ كبيرة تحدث فيها ليس أقلّها الإهمال واللامبالاة والغش والاعتداء؟”

ولأن الموضوع من الاتساع بحيث تصعب الإحاطة به في مقال متعجل واحد أو حتى مجموعة مقالات، فإنني أؤثر أن أتحدث عن نموذج واحد في هذه السطور وهو ما يتصل بأخلاق الطبيب، أو الأخلاق في مهنة الطب، وما يتبعه من ملحقات: التمريض، الصيدلة: تصنيعا وتسويقا وبيعا. ويتزامن هذا الحديث مع كلام كثير ذي أهمية يتعلق بتفاوت الأسعار وغلائها عند الأطباء؛ حيث يتراوح سعر زيارة لا يزيد زمنها عن دقائق بين 1500 إلى 3000 حسب بعض التخصّصات، وهو ما جعل المواطنين يرسلون صيحاتهم في الفضاء الأزرق طلبا لوضع حدّ لهذا الاستنزاف والابتزاز.. ونفس الأمر يمكن أن يُقال عن فقدان عشرات الأنواع من الأدوية واختفائها، وأسعارها الملتهبة في الصيدليات، مع العلم أن بعضها ذو صلة بأمراض مزمنة وخطيرة، فهل من المعقول أن يُفهم هذا في مسألة إستراتيجية هي صحة الإنسان؟ وأين نضع كل ذلك بعيدا عن الميزان الحقيقي وهي “أخلاق العمل” أو أخلاقيات المهنة؛ مصداق ما سجله الشاعر:

.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا..

إن أخلاق الطبيب مرتبطة ارتباطا عضويا بحقوقه، كما أنها مرتبطة بواجباته، وترتبط أشد الارتباط بمهنته الإنسانية العظيمة التي تحكمها أساسا القيّم والمبادئ والأخلاق التي هي صمام الأمان في هذه المهنة النبيلة التي من الضروري أن يرتفع وعي صاحب المهنة فيها إلى مستوى “الواجب قبل الحق”.. فلا تستقيم الأمور إلا بأداء الطبيب، ومن في حكمه، لتلك الواجبات خطوة خطوة.. وبندا بندا.. فما هي تلك الواجبات على وجه الإجمال؟

إن واجبات الطبيب متعددة متنوعة، ففيها ما هو:

ـ واجبات الطبيب تجاه نفسه، بما يجعله نموذجا وقدوة لغيره، في الحفاظ على صحته وتجديد معارفه ومتابعة الجديد ومثالا صالحا للإنسان النبيل.

 ـ واجباته تجاه مهنته، بما يحفظ سمعة المهنة وشرفها، والمساهمة في تطويرها.

 ـ واجباته تجاه المؤسسة التي يعمل بها، بالمحافظة على ممتلكاتها، وبما يعمّق دورها في حياة المجتمع.

 ـ واجباته تجاه المجتمع، بالتبليغ عن الأمراض السارية، والعمل على صيانة المجتمع منها بأي شكل ممكن.

ـ واجباته في مجال الصحة العامة مع زملائه وأسرة الصحة عموما، في الميادين الكثيرة التي تستوجب ذلك.

ويندرج ضمن واجباته المهنية والأخلاقية والإنسانية تلك المتصلة بلبّ عمله وهو مداواة المرضى والعناية بهم، كشفا وتشخيصا ومرافقة. فما هي بعض تلك الواجبات الخاصة به في علاقته بمرضاه؟.

تشير المواثيق التي تتصل بأخلاقيات الطب والطبيب إلى بعض منها على الوجه المختصر، فيما يتصل بواجبات الطبيب تجاه مريضه:

أـ الاحترام التام، مع التواضع والترفّق بالمريض على الوجه الذي يتيح له التعاون والتجاوب معه في حال التشخيص، ويمكن أن نضيف إلى ذلك عدم المساس بشخص المريض وعدم الاعتداء عليه بأي شكل كان قولا أو فعلا أو تعريضا أو إشارة أو ازدراء…

ب ـ ضمن احترام المريض احترام استقلاليته، أي أن يعالج عند من يريد علاجه، وينبغي أن تُحترم تلك الرغبة الخاصة بشكل ما.

ج ـ ضمان الخصوصية، بما يعني عدم الكشف عن أسرار المريض سواء تعلق الأمر بأمراضه أم بشؤون أخرى لا يرغب في أن تُعرف.

د ـ الرعاية الشاملة للمريض بالاجتهاد في التشخيص والفحص، والإتقان في ذلك بما يعينه على معرفة مرضه وطريق طلب الاستشفاء، دون معاناة وانتقال من طبيب إلى آخر، ومن مصلحة إلى أخرى.

هـ ـ تبصير المريض وتوعيته وتحري الصدق معه، وقول الحقيقة له إذا احتاج الأمر إلى ذلك، لأن عدم فعل ذلك يعدّ خيانة وتقصيرا، وقد يؤدّي إخفاء الحقيقة عنه لأي سبب كان إلى إيذائه وانتشار المرض في جسمه.

وـ تجنبّ التمييز في معالجة المرضى على أي أساس كان ذلك التمييز:الجهة، القربى، النسب، المعارف، التوجه  السياسي، الدين الخ..

لا يتسع المجال لمزيد حديث في الموضوع مع أهميته وضرورة التبصير به. ولكن لنجعل خاتمته تساؤلات: أين نحن من أخلاق العمل عموما.. وأخلاقيات مهنة الطب على وجه الخصوص، في ضوء ما نعيشه من فوضى عارمة في مستشفياتنا وعياداتنا الحكومية وعياداتنا الخاصة والتي لا تفتأ الصحافة تكتب عنها ووسائط الإعلام تعرض أشرطة مؤلمة عن مخازٍ كبيرة تحدث فيها ليس أقلّها الإهمال واللامبالاة والغش والاعتداء؟

إن أخلاق العمل موضوع ذو أهمية يمكن أن يكون ميزانا نزن به أنفسنا، كل ميدان بخصوصياته. وأخشى أن تكون النتيجة بعيدة عن المطلوب، وهو ما يفسّر وجودنا كبلد في ذيل القوائم والمراتب في كل مرة. وأما أخلاق الطب والطبيب فالواقع يصرخُ بأعلى الأصوات: إلى أين؟ 

مقالات ذات صلة