-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مالي… مالهم؟

عمار يزلي
  • 87
  • 0
مالي… مالهم؟

فيما تخسر أوروبا، لاسيما بعض الدول النافذة التقليدية فيها، مواقفها وقوتها الناعمة والخشنة في العالم، أمام تنمُّر إدارة البيت الأبيض في المجالات الاقتصادية وحتى الأمنية، ومنها دور الناتو والحلف التقليدي القديم لما بعد الحرب العالمية الثانية، وانفلات قوة ودور بعض مراكز ثقل هذه الدول في القارة، لاسيما فرنسا ومستعمراتها القديمة في القارة السمراء، تجد هذه الدول نفسها اليوم أمام تحدٍّ غير مسبوق: إما الاستقلال المدروس الواعي عن المستعمِر القديم وبناء علاقات شراكة وتعاون إقليمي مع دول الجوار، بغية رأب الصدع والتعاون ضد العدو المشترك الذي هو التخلف وضعف التنمية لسكان الساحل الإفريقي، أو الدخول في حالة فوضى وعدم استقرار، من شأنه أن يقوّض أمن المنطقة برمَّته.

وما يحدث في إفريقيا، ليس بعيدا عما يحدث في العالم، من أقصى شرقه إلى غربه إلى وسطه وشماله: القارة الإفريقية بدأت تبرز كقوة اقتصادية مستقبلية تراهن على مقدراتها المحلية وعلى التعاون المشترك الثنائي والجماعي مع دول جنوب وشمال القارة في علاقة ندية مع الشمال خلف البحر، وفرنسا تحديدا.

ما حدث مؤخرا في مالي، وما قد يحدث مستقبلا، كانت الجزائر قد نبَّهت وحذَّرت منه مرارا وعملت مع السلطات في هذا البلد سابقا ولاحقا على مشروع جماعي يقضي على جذور الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية المتفشية في هذا البلد الجار التاريخي والجغرافي، الذي خضع لعدة محاولات تثبيط وانقلابات عسكرية جعلت منه البلد الجار الأقل استقرارا على حدودنا الجنوبية.

التهديد الأمني للمنطقة، هو تهديدٌ حقيقي، بفعل الفاعلين الكُثر في المنطقة، والذين تجمعهم وتفرِّقهم مصالح متباينة وأجندات مختلفة، تعمل كلها على زعزعة الاستقرار ليس لدولة مالي، ولا للجزائر وموريتانيا فحسب، بل للجسم القاري برمته.

السلطات الانقلابية في مالي ووجودها ككيان سياسي حاكم الآن، هو تهديدٌ للمنطقة، ليس لكونها سلطة عسكرية وانقلابية غير شرعية فقط، بل لأن رفض التعاون مع الجار الشمالي الذي هو الجزائر، وما تمثله الجزائر من موقف وموقع تاريخي إزاء هذا البلد الجار والشقيق في النضال المشترك منذ استقلال البلدين وما بعدهما، والعمل الذي أنجِز بين البلدين والذي كان سيُنجَز خلال السنوات الأخيرة بفعل انفتاح الجزائر من جديد على القارة السمراء وعلى جيراننا في الساحل، بعد غياب سياسي دام عشرات السنين، يعد إهدارا لتاريخ بأكمله وتحطيما لكل الآمال التي كانت معقودة على تصفية الاستعمار في القارة بأكملها، وانتكاسا باتجاه وضع أخطر، بسبب فقدان البصيرة لدى الانقلابيين ورفض مشروع السِّلم والأمن الجزائري الذي بدأ يؤتي ثماره تباعا، لولا الانقلاب الذي أهدر هذه اللحظة الحاسمة في تثبيت دعائم الاستقرار السياسي والأمني عبر التنمية المستدامة والتعاون البيني والجواري مع الجيران في الشمال خاصة.

الانقلابيون في مالي، لا يخسرون مالي، بل يخسرون بذلك إفريقيا، لاسيما وأنهم يرون مشروعا مثل المشروع الجزائري النيْجَري للغاز، كيف يمكن أن يكون شريان حياة بالجوار وكيف يمكن أن يؤثر على تنمية هذا البلد وباقي المناطق والبلدان المجاورة لاحقا.

فرنسا التي تفضِّل أن ترى القارب المالي يغرق، تفرك يديها فرحا، وتعمل على عودة المكاسب التاريخية الضائعة، لكن التاريخ لا يعود للخلف، والجزائر ومالي وإفريقيا ودول الإقليم، يعرفون هذه الحقيقية إذا ما استمرَّ النزيف الاقتصادي والأمني ينخر هذا البلد، بسبب تعنُّت حفنة من صغار العسكريين الممارسين حاليا للسلطة، إلى حين.

الجزائر وهي تخشى من تداعيات فوضى أخرى على حدودها الجنوبية، ستكون قادرة على احتواء الأوضاع وستخرج دولة مالي منتصرة على عهدها القديم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!