ما أبرعكم في انتقاء الأسماء
كنّا في مجلس أحد الإخوة، وجرى الحديثُ عن الاحتفالات بـ”يوم العلم” عبر مدن الجزائر وقراها ومساجدها ومدارسها وجامعاتها، فثمنّا ذلك بما فيه كلمة الأخ عبد المجيد تبّون، رئيس الجمهورية، التي ألقمت كلَّ عاوٍ حجرا، ولكن أحدَ الإخوة رأى في اختيار يوم وفاةٍ مناسبةً لاحتفالات غير موفَّق، وردّ عليه آخر بأنَّ في ذلك إشعارا لفرنسا الصليبية ببقاء فكر الإمام حيًّا في عقول الجزائريين وضمائرهم، لأنّ فرنسا ظنّت أنّ دعوة ابن باديس ماتت بموته، وذكّر الجميعَ بما قاله الشاعرُ الفحل محمد العيد وهو يؤبِّنُ الإمامَ ابن باديس:
نم هانئا فالشعبُ بعدك راشدُ يختطُّ نهجَك في الهدى ويسيرُ
لا تخشَ ضيعةَ ما تركتَ لنا سُدى فالوارثون لما تركتَ كثيرُ
ثم ذكّرنا بما قاله الإمامُ الإبراهيمي لأخيه ابن باديس عندما سلّمه مفتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان لفتحها: “أخي الأستاذ الرئيس، لو علمتُ في القُطر الجزائري، بل في العالم الإسلامي، رجلا في مثل حالتك، له يدٌ على العلم مثل يدكم، وفضلٌ على الناشئة مثل فضلكم، لآثرتُه دونكم بفتح هذه المدرسة، ولكني لم أجد، فباسم تلمسان، وباسم الجمعية الدينية بالخصوص أناولكم المفتاح لتفتحوها، فهل لهذه المدرسة أن تتشرّف بذلك؟” (مجلة الشهاب. أكتوبر 1937. ص 351).
ثم سألني أحدُ الإخوة أن ألخّص “مشروع الإمام ابن باديس” فاستعظمتُ طلبه، لأنّ تلخيص عمل الإمام في كلماتٍ ظلمٌ له، ولكنّ الرجل ألحَّ في طلبه، فاستعنتُ بالمُعين، واستعرضتُ ما أعرفه عن أعمال الإمام الجبّارة التي تعجز عنها العُصبة ذات القوّة، وقلتُ ما قاله الشيخ الطيب العُقبي للإمام ابن باديس عندما أسّس جريدة “الشهاب” بعدما أوقفت فرنسا الباغية جريدته “المنتقد”، وهو: “لله درّكم في انتقاء الأسماء”. (الشهاب. ع 6. في 17- 12- 1925. ص 6)، فقال الأستاذ: أوضِح، فقلت: إنّ مشروع الإمام يلخّصه عنوانَا جريدتيه “المنتقد” و”الشهاب”، وشرحتُ ذلك بأنّ ابن باديس بعدما بدأ حركته المباركة وجد العقل الجزائري “مستعمَرا” بفكرين، سمّاهما الأستاذ ابن نبي “الفكر الميّت”، وهو ما ورثاه عن أسلافنا من خرافات وبِدع في الدنيا والدين، و”الفكر القاتل” الذي جاء إلينا في رِكاب الصليبيين الفرنسيين، فأسّس الإمامُ جريدته “المنتقد” ليحرِّر عقول الجزائريين، ويسدِّد سهام نقده إلى هذين “الفكرين”، ولكنّ فرنسا وأولياءها وعملاءها لم يستطيعوا صبرا على لهجة “المنتقد”، فائتَمَروا بمنكر وأوقفوها، ولم ينتظر الإمامُ طويلا حتى أصدر جريدته “الشهاب” التي أحرقت الأباطيل “الدينية” والأراجيف الفرنسية، وبقي الإمامُ يجاهد حتى لقي ربَّه مقبلا غير مدبِر، ولم يهُن ولم يستكِن، ولم يُعطِ الدنيّة في دينه، ولا في لسانه، ولا في عرضه، ولا في أرضه…
وكبُر نشءُ ابن باديس، فهزّ نفوسَ الجامدين، وقلع جذور الخائنين، وأذاق نفوس الظالمين –من فرنسيين وخائنين- السُّمَّ يُمزج بالرهب.. وقال الفرنسيون في تقرير لهم بتاريخ 24 جانفي 1958: إنّ 8 ماي 1945 وأول نوفمبر 1954 وراءهما ابن باديس، وهو “الأبُ الروحي لجبهة التحرير الوطني”. (انظر: ابن باديس من خلال الإجازات والوثائق وتقارير المخابرات الفرنسية: عمار طالبي وعبد المالك حداد. ص 492).
وجاء نصرُ الله، وأعاد الشعبُ الذي أيقظه صوتُ ابن باديس الجزائرَ إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وعضّ الفرنسيون وعملاؤُهم الأنامل من الغيظ، فرحم اللهُ ابن باديس الذي آمن وعمل صالحًا، فجعل له اللهُ- عز وجل- في قلوب الجزائريين وُدّا.