-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كواليس تغريدة ترامب عن الصحراء الغربية

كواليس تغريدة ترامب عن الصحراء الغربية

يُعد اعتراف الرئيس دونالد ترامب في نهاية عهدته الأولى بمغربية الصحراء الغربية في 10 ديسمبر 2020، عن طريق تغريدة على شبكة تويتر وقتها (آكس اليوم)، أحد أكثر القرارات الدبلوماسية إثارة للجدل والتحليل، إذ اختلطت فيه المصالح الجيوسياسية بأسلوب الصفقات التي اشتهر بها ترامب.
والمعلن وقتها، أن الاعتراف جاء ضمن إعلان ثلاثي وقّعه المغرب والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بموجبه اعترفت واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، واعتبر أن مقترح الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والواقعي للنزاع، مقابل استئناف المغرب علاقاته الدبلوماسية الكاملة مع الكيان الصهيوني. وقد أدّى جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب ومستشاره الدور المحوري في صياغة هذا الاتفاق، وكان يطمح إلى توسيع دائرة اتفاقات أبراهام في شمال إفريقيا.
والحقيقة، أن تلك التغريدة كانت نتاج تقاطع مثير بين السياسة الأمريكية وبين رغبة الرئيس ترامب المنتهية ولايته في تلك الفترة في الانتقام من السيناتور جيم إنهوف الذي كان رئيساً للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إذ رفض بشدة طلب الرئيس ترامب بإدراج إلغاء المادة 230 في ميزانية الدفاع، معتبرا أن قانون الدفاع يجب أن يظل بعيدا عن صراعات شبكات التواصل الاجتماعي، إذ أن المادة 230 من قانون آداب الاتصالات تحمي شركات التواصل الاجتماعي من المسؤولية القانونية عما ينشره المستخدمون. والرئيس ترامب المنتهية ولايته الأولى أراد إقحام هذا الإلغاء داخل قانون تفويض الدفاع الوطني أو الميزانية السنوية للجيش. هنا حدث الصدام بين الرئيس ترامب المنتهية عهدته الأولى والسناتور جيم إنهوف، وهو حليفٌ جمهوري تاريخي، واعتبر ترامب بأنها بمثابة خيانة شخصية. في هذه اللحظة يأتي دور كوشنر في استغلال الخلاف، وأعلم الرئيس ترامب بأن جيم إنهوف هو أكبر مدافع عن جبهة البوليساريو في الكونغرس الأمريكي وهذا لعقود، وكان هو الحجر العثرة الدائم أمام أي محاولة في الإدارات السابقة للاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. قلت عندما وقع الخلاف بين ترامب وإنهوف بشأن ميزانية الدفاع، وجد كوشنر وفريقه الثغرة، وأقنعوا ترامب بأن ضربة إنهوف الموجعة ستكون في ملفه المفضل الصحراء الغربية. وبما أن إنهوف لم يعد صديقا لترامب في معركة ترامب ضد فايسبوك وتويتر وغوغل… فلم يعد هناك داع لاحترام رغبته في ملف الصحراء الغربية.
وهنا خرجت التغريدة الشهيرة في 10 ديسمبر 2020. لم تكن هذه التغريدة لتشجيع التطبيع، بل كانت رسالة عقاب شخصية من الرئيس ترامب المنتهية ولايته ضد السيناتور الجمهوري إنهوف. والقصة الكاملة وثّقتها تقارير صِحافية استقصائية رصينة مثل تقارير أكسيوس في ذلك الوقت.
وفي عالم الرئيس ترامب لا توجد هدايا مجانية، والدافع لم يكن يوما سواد عيون ملك المغرب أو إحقاقا لحق تاريخي من وجهة نظره، فالرئيس ترامب يكره الملك محمد السادس لأن قدَّم مالا لمنافسته في 2016 هيلاري كلينتون، ولهذا فالتغريدة هذه كانت مقايضة جيوسياسية لخدمة أهداف معينة، وعلى رأسها معاقبة السيناتور إنهوف من جهة وأمن ومصالح الكيان الصهيوني وتوسيع نفوذه في المنطقة من جهة ثانية.
ولو قمنا بمقارنة بين ديسمبر 2020 والى غاية اليوم افريل 2026، يمكننا جردُ الحساب لنرى من الرابح الأكبر في هذه الصفقة: لقد حقق الكيان مكاسب بنيوية تجاوزت مجرد التمثيل الدبلوماسي، كالاختراق الأمني والعسكري، وأصبح الكيان الصهيوني المورد الثالث للسلاح للمغرب، ففي مطلع 2026، تم توقيع خطة عمل عسكرية مشتركة تشمل نقل التكنولوجيا وبناء مصانع للمسيَّرات في المغرب، وهو ما يمنح الكيان موطئ قدم استراتيجي في شمال إفريقيا. كما تحوَّل الفائض التجاري لصالح الكيان الصهيوني، وارتفعت صادرات المملكة المغربية بشكل حاد من 10 مليون دولار عام 2020 إلى نحو 240 مليون دولار عام 2024، مع هيمنة شركات التكنولوجيا والزراعة الصهيونية على عقود استثمارية ضخمة، فبذور الطماطم والبطيخ وما شابه ذلك من المزروعات في المغرب تأتي من الكيان.
كما كُسرت عزلة الكيان الصهيوني في المغرب، واستثمار الروابط الثقافية لليهود المغاربة لتحويل التطبيع من مستوى سياسي إلى مستوى مجتمعي عبر الرحلات الجوية المباشرة التي عادت للعمل بقوة في أواخر 2025.
أما المملكة المغربية فقد دفعت ثمن هذا الاعتراف من رصيدها الشعبي والإقليمي، فقد خسرت المملكة مزايا كثيرة مثل غلق الحدود مع الجزائر، ومنع الطائرات المغربية من العبور عبر الأجواء الجزائرية، بالإضافة إلى قطع أنبوب الغاز الذي يمرُّ عبر المغرب في اتجاه اسبانيا، والتي كانت تستفيد منه المملكة.
كما أن المغرب يجد نفسه بعد التطبيع في حرج شعبي كبير، خاصة بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، إذ يواجه النظام الملكي ضغطا داخليا يرى أن ثمن الصحراء كان غاليا جدا خاصة بعد الارتماء العشوائي في أحضان الكيان الصهيوني.
كما أن الرئيس ترامب غير متحمس للقضية بحد ذاتها، فهو متحمسٌ للنتائج: مثل إرضاء اللوبي الصهيوني، واستفزاز الخصوم، والاستمرار في عدم استقرار المنطقة حتى يعتمد الجميع على المظلة الأمريكية مما يضمن استمرار صفقات السلاح والنفوذ.
وتجسّد المملكة المغربية اليوم عبارة «مذبوح في العيد أو في عاشوراء ذ»، فهي في حالة ورطة سياسية وديبلوماسية؛ فهي رهينة لمعادلة صفرية، إما الاستمرار في التحالف مع ترامب والكيان الصهيوني بكل كلفته الأخلاقية والشعبية، أو خسارة الاعتراف الذي استثمرت فيه كل أوراقها.

  في عالم الرئيس ترامب لا توجد هدايا مجانية، والدافع لم يكن يوما سواد عيون ملك المغرب أو إحقاقا لحق تاريخي من وجهة نظره، فالرئيس ترامب يكره الملك محمد السادس لأن قدَّم مالا لمنافسته في 2016 هيلاري كلينتون، ولهذا فالتغريدة هذه كانت مقايضة جيوسياسية لخدمة أهداف معينة، وعلى رأسها معاقبة السيناتور إنهوف من جهة وأمن ومصالح الكيان الصهيوني وتوسيع نفوذه في المنطقة من جهة ثانية.

والمنطق يقول إن اعتراف ترامب ليس هو اعتراف الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى ليس اعتراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إذ يصبح صوت ترامب إن بقي على حاله هو واحد من خمسة، فالتشخيص القانوني والسياسي يجعل اعتراف ترامب أو غيره من رؤساء الولايات المتحدة، قرارا إداريا رئاسيا وليس التزاما قانونيا دوليا مكتمل الأركان. وهنا أدعم وجهة نظري بالتفاصيل الدقيقة من واقع المشهد الحالي في افريل 2026 :
1- عقبة الكونغرس أو الشرعية المنقوصة، ففي النظام الأمريكي، يملك الرئيس سلطة إدارة السياسة الخارجية، لكن الكونغرس هو من يملك سلطة المال والتشريع الدائم. وإلى غاية اليوم لم يصدر أي قانون من الكونغرس يتبنى السيادة المغربية بشكل نهائي. الميزانيات الأمريكية المخصصة للمغرب لا تزال في كثير من الأحيان تُصرف تحت بنود تضع الصحراء الغربية في تصنيف منفصل. وما دام الأمر مجرد مرسوم رئاسي، فإنه يظل عرضة للإلغاء أو التجميد بجرة قلم من أي رئيس قادم، تماما كما فعل ترامب مع اتفاقيات سلفه أوباما.
2- جدار مجلس الأمن: تواجه تغريدة ترامب أصواتا معارضة في مجلس الأمن، فروسيا مازالت تعتبر القرار الأمريكي خروجا عن الشرعية الدولية، والصين تتبع سياسة الحياد النشط.
3- مجلس الأمن والقرار 2797 أكتوبر 2025: رغم أن الولايات المتحدة حاولت دفع القرار نحو الحكم الذاتي، إلا أن مجلس الأمن ظل منقسما، إذ امتنعت كل من روسيا والصين والباكستان عن التصويت مما يُفقد القرار الإجماع الدولي.
إن تغريدة ترامب في ديسمبر 2020 بمغربية الصحراء كانت ومازالت وستبقى سرابا، لأنها لم تجد لها صدى قويا في كواليس القانون الدولي وتعقيدات السياسة الأمريكية الداخلية، بل إن المعطيات الحالية في افريل 2026 تعزز هذا الطرح من عدة جوانب تقنية وقانونية:
1- فخ القنصلية في الداخلة أو العيون، فمنذ ديسمبر 2020 وحتى اليوم، لم تفتح الولايات المتحدة قنصلية حقيقية بمعنى مبنى دائم وموظفين ديبلوماسيين بمهام قنصلية كاملة في مدينة الداخلة أو العيون. والخارجية الأمريكية في 2026 لا تزال تتعامل بحذر شديد مع هذه الخطوة، لأن فتح قنصلية رسمية يتطلب موافقة فنية ومالية من الكونغرس، وهو ما يرفضه العديد من المشرِّعين الأمريكيين لتجنب التصادم مع الأمم المتحدة. هذا يجعل الوعود الترامبية تبدو بالفعل كسراب لم يتحقق ماديا على الأرض.
2- ميزانية الجيش والكونغرس (قانون 2026)، في مناقشات ميزانية الدفاع والخارجية لعام 2026 لا يزال هناك انقسامٌ حاد، إذ يستعمل الكونغرس الصيغة القانونية في تقاريره وهي عبارة “المساعدة للمغرب” بدلا من الاعتراف الصريح والنهائي بالسيادة في صلب القوانين الملزِمة، وذلك للحفاظ على التوازن مع قرارات مجلس الأمن، وهذا يعني أن تغريدة ترامب تظل قرارا إداريا يمكن نقضه أو إهماله وليس قانونا ثابتا.
جلّ المحللين يرون أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب مهتمة بالثروات وخاصة الأتربة النادرة أكثر من اهتمامها بـ«السيادة»، فهي تأخذ المكاسب الاقتصادية الآن، وتترك المغرب يواجه الصعوبات الدبلوماسية والقانونية وحده في المحاكم الدولية مثل المحكمة الأوروبية.
كما أن استدعاء البولويزاريو في اللقاءات التي ترأسها مسعد بولس ممثل الرئيس ترامب وصهره، في نيويورك ثم في منزل سفير الولايات المتحدة بمدريد والجلوس على نفس الطاولة مع الممثل المغربي ناصر بوريطة هو اكبر انتصار للبوليزاريو، ويعتبر اعترافا ضمنيا بالجبهة وبأنها الممثل الوحيد للشعب الصحراوي. كما أن غياب وزير خارجية المغرب بوريطة عن تجمّع انطاليا بتركيا يؤكد بأن المغرب أدرك متأخرا أنه وقع في «فخِّ مدريد» فآثر الهروب من انطاليا، مما سيؤدي حتما إلى تأجيل اجتماع ماي المقبل. لأن الإستراتيجية الهشة التي يتبعها المغرب انهارت أمام واقعية المصالح الأمريكية الجديدة.
لقد فازت جبهة البوليساريو اليوم لأنها عادت إلى الملعب الدولي من بوابة مدريد، والمغرب خسر لأنه أثبت أن سيادته معلقة برغبات رئيس أمريكي لا تهمه إلا الصفقات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!