-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا يخرج أحدهما من المولد بلا “هرمز”

عمار يزلي
  • 42
  • 0
حتى لا يخرج أحدهما من المولد بلا “هرمز”

يرجع بنا التاريخ الحالي إلى نحو ألف سنة قبل الميلاد عندما كان “الخليج الفارسي”، الممر الأكثر استعمالا في التجارة الدولية في خضم المنافسة والصراعات بين الإمبراطوريات الناشئة والقائمة: الحضارة الفارسية والإغريقية ثم الرومانية البيزنطية. وقتها، كان هذا الممرُّ المائي المطل على المحيط الهندي وخليج فارس، يربط بين قارتي آسيا وأوروبا ويموِّن الشرق الأوسط الأدنى والأقصى بكل الموارد التجارية المصنَّعة والخامّ في الاتجاهين عبر مضيق يسمى الآن “مضيق هرمز” وكانت بلاد فارس هي من تتحكَّم في المضيق بحكم الجغرافيا، الذي كان عبوره ضروريا للتنقل بين بلاد الشام والعراق والأناضول شمالا، ومناطق شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية واليمن والهند والصين وحتى حدود إفريقيا الجنوبية جنوبا.

كانت المنافسة قوية بين القوى الكبرى وقتئذ، حسب الحقب، غير أنه مع ظهور الإسلام في مكة والمدينة، وحتى قبله أيام الجاهلية، صار الممرُّ الثاني عبر البحر الأحمر، المنافسَ الثاني، والذي سيكون شريانا تجاريا أكثر جاذبية واستعمالا بحكم انفتاحه على أكبر رقعة جغرافية تمتد من المحيط الهندي جنوبا، مرورا بمضيق المندب حاليا، ووصول إلى أعالي البحر الأحمر، قبل أن تُفتح قناة السويس لاحقا خلال القرن الـ19، ليصبح الشريان يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط ويربط بالتالي جنوب الكرة الأرضية بشمالها ووسطها.

الصراعُ الحالي على مضيق هرمز، يعيد إلى الأذهان الصراع حول النفوذ بين بيزنطة وبلاد فارس، وحلفائهم من الغساسنة والمناذرة في بلاد الشام وما بين النهرين، لما كان هذا الشريان يمثله ضمن التجارة البحرية وقتئذ وما قبل، ثم ما بعد، غير أن هذه الصراعات وما نجم عنها من حروب وصدامات بحرية وبرية لمئات السنين، سرعان ما ظهرت قوة تنافسية جديدة في شبه الجزيرة العربية، عملت على تطوير المنافسة التي كانت موجودة ولكن ليس بالمستوى ذاته الذي صارت عليه بعد انتشار الإسلام والفتوحات الإسلامية بكل الاتجاهات.

لقد كان تشكُّل الدولة المركزية الإسلامية أيام الخلافة الراشدة وحتى ما بعدها أيام الأمويين والعباسيين، ثم ما بعد عهد المماليك، سببا في أن يصبح باب المندب، المضيق الذي يربط بين عالم الجنوب الشرقي وعالم الشمال الشرقي على البحر الأحمر، تماما كما كان مضيق جبل طارق حلقة وصل بين قارتي أوروبا وإفريقيا ورمزا للفتوحات الإسلامية لبلاد الأندلس ولكن أيضا رمزا سابقا للاحتلال الوندالي، ولاحقا رمزا للروكنكنستا الاسبانية.

المضايق لم تضيِّق المسافات إلا لتوسِّعها في كل الاتجاهات: وهذا ما أعطاها هذا البعد الاستراتيجي والمحدد في العلاقات التجارية والسياسية الدولية سابقا ولاحقا واليوم بشكل أكبر.

مضيق هرمز تحوَّل اليوم، وخلال فترة وجيزة بعد عدوان ثنائي على إيران المحاصَرة منذ عقود لرفضها الخضوع لابتزاز الكيان لها في الملف النووي، بدعم من والولايات المتحدة والغرب، وتحوّل الصراع على الهيمنة على المنطقة من ملف النووي إلى ملف الملاحة ومضيق هرمز، باعتباره ممرا بحريا دوليا تضيق فيه المساحة بين المناطق الدولية والمناطق الإقليمية البحرية، ويجعل السفن التجارية وحتى الحربية على مرمى حجر من السواحل الإيرانية، مما يمكِّنها من التحكم في الملاحة بالمضيق في حالات قصوى مثل الحالة التي عليها الوضع الآن؛ فالمرورُ عبر المضيق لم يكن يوما يخضع لرسوم، وهذا طبقا للقوانين الدولية والملاحة العالمية، لكن بما أن القانون الدولي يقضي بالتعامل بالمثل، فإيران تستغلُّ العدوان وترهُّل القوانين الدولية للردِّ على الحصار والعقوبات لتحصيل موارد من عائدات المرور، واستعمال المضيق لتوسيع دائرة طاولة المفاوضات كورقة تفاوضية قويّة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!