أتتركون أمانة القدس في عنق من باع فلسطين؟
ما تنقله مؤخرا وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من عمليات هدم واسعة في المغرب للبنايات ومتاجر المواطنين، والسطو على أراضيهم، بل تعدّت إلى المساجد والمعالم الدينية، يشكل خطوة أخرى متقدمة ضمن مشروع الصّهْينة الشاملة للمملكة، في إطار إخلاء أراض ومنح تراخيصها للصهاينة من أجل توطينهم وفتح معابد لهم في كل المدن المغربية.
مقابل تلك المساعي المكشوفة للمخزن في طمس الطابع الإسلامي وتجريد السكان من أملاكهم، يجري السماحُ باستفزاز مشاعر المغربيّين والاختراق الروحي الصهيوني للنسيج الاجتماعي، عقب واقعة إقامة “طقوس يهودية” بموقع تاريخي في مراكش، ما يعني الانتقال عمليا إلى ممارسة التطبيع الديني علنا في الفضاءات العامة.
لقد كان إسناد رئاسة لجنة القدس بمنظمة التعاون الإسلامي إلى ملك المغرب منذ عام 1979 خطأ فادحا، لأنّ مهمتها الرئيسة في التصدي للمشروع الصهيوني الرامي إلى طمس الطابع العربي الإسلامي للمدينة لا تنسجم إطلاقا مع علاقات المملكة التاريخية مع الكيان الصهيوني، إلا إذا أغلقنا أعيننا على الحقائق الثابتة، باعتبار المغرب أكبر حاضنة للجالية اليهودية في العالم الإسلامي قبل 1948، بكل ما يترتب عليها لاحقا من نفوذ وتأثير في القصر الملكي لصالح الاحتلال الصهيوني، ولا أدل على ذلك من خيانة التجسّس على قادة العرب في قمة 1965 بالرباط.
لكن قادة الدول الإسلامية والعربية، ومثلها كثير من النخب الصامتة، لم يستدركوا القرار الخطأ طيلة 47 سنة، لأنهم في الحقيقة يتشابهون مع استثناءات قليلة من زعامات الأمة، ولاعتبارات سياسوية ضيقة على حساب المصلحة الفعلية للقضية المركزية.
اليوم لم يعد قطّ مسموحا بمزيد من السكوت على التواطؤ والخيانة العلنية للقدس، فهل يقبل عاقل واحد من المحيط إلى الخليج، بائتمان أكبر عميل حاليا للكيان الصهيوني على وديعة محمد، صلى الله عليه وسلم، عندنا وأمانة عمر في ذمّتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، كما قال الشيخ البشير الإبراهيمي، رحمه الله؟
حان الوقت لإنقاذ القدس وتطهيرها من دنس العميل المتصهين، بعدما تجاوز النظام المغربي في علاقته بالاحتلال الإسرائيلي كل حدود التطبيع العربي منذ نهاية 2020، حتى صار عرّابه الأول في المنطقة المغاربية وإفريقيا وكواليس المجتمع الدولي، ما يجعل استمرار أعضاء منظمة التعاون الإسلامي في صمتهم المطبق بخصوص بقائه على رأس لجنة القدس دعما صريحا للخيانة ومشاركة في الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني، لأنّ الساكت عن الحق كفاعل الباطل سواء.
ومثل هذه الدعوة المشروعة واجبة في حق كل أنظمة العالم الإسلامي ونخبها السياسية والفكرية والأهلية، في حين لا نسمع اليوم صوتا عاليا لتحرير لجنة القدس من قبضة العمالة العربية الصهيونية إلا في الجزائر، كأنّ الآخرين لا يعنيهم الأمر، وكيف تقبل منهم الشعوب المسلمة ذلك؟ وقد سلّموا الرئاسة طواعية لملك المغرب على أساس الالتزام بالعمل لحماية القدس الشريف، لكنه اليوم أول حليف للصهيونية في العالم الإسلامي، بل يستقوي بها في خدمة أجندته التوسّعية بالمنطقة.
لقد تمثلت الأهداف الأساسية للجنة القدس منذ تأسيسها في متابعة تنفيذ قرارات “المؤتمر الإسلامي”، ومختلف الهيئات والمحافل الدولية، زيادة على الاتصال بالمنظمات الأخرى التي قد تساعد على حماية القدس، وتقديم مقترحات للبلدان الأعضاء ولكل المنظمات المعنية، لضمان تنفيذ القرارات لمجابهة تطورات الوضع في القدس.
لكن إذا عدنا إلى الواقع خلال السنوات الأخيرة، فإنّ نظام المخزن لم يعد فقط في موقع العاجز عن تقديم أي خدمة للقضية الفلسطينية، ولو في صورة بيانات إدانة شكلية للممارسات الإسرائيلية المتغطرسة، بل هو محارب شرس عن مصالحها في كل مكان، ضمن مقايضة رخيصة مع الكيان الصهيوني لدعم أطروحته الاستعمارية في الصحراء الغربية، وقد تابع العالم أجمع قبل سنوات قليلة المعركة الدبلوماسية الفاشلة التي خاضها المغرب لإقحام “إسرائيل” مجددا في هياكل الاتحاد الإفريقي ولو بصفة مراقب.
ولا تزال مشاركة نظام المخزن، بشكل علني، في الحرب الشاملة على غزة، منذ اندلاع “طوفان الأقصى”، ماثلة للعيان، عندما جعل من موانئه قاعدة تزوّد بالوقود، لنقل العتاد الحربي الأمريكي إلى جيش الاحتلال الصهيوني.
ومن المهمّ كذلك تقييم حصيلة الرئاسة المغربية الجوفاء للجنة القدس، إذ عقدت لقاءين خلال 23 سنة، بعد ما تمكّنت المملكة من خنقها بشكل كامل وإرادي، موظفة تعطيلها للحفاظ على علاقات جيدة مع الكيان الصهيوني، ناهيك عن استغلالها في إضفاء الشرعية الدينية الزائفة على نظام ملكي احتكاري للسلطة وبعيد كل البعد عن قيم الإسلام، جاعلا من القضية الفلسطينية ريعا دائما، بجني فوائد غير مستحقة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.
إذا كانت معظم الأنظمة العربية والإسلامية متواطئة أو ترى نفسها غير معنية بواجب تحرير لجنة القدس من شريك الصهيونية، فإنه من مسؤولية النخب والقوى الحية في الأمة تصعيد الموقف الاحتجاجي للضغط على أعضاء “التعاون الإسلامي” بغية تصحيح الوضع المختل في أقرب وقت، لأنّ استمراره لا يعني سوى الاستخفاف بضمير الشعوب وإسقاط أي شرعية عن المنظمة في تمثيلها.