الرأي

أدعياء السُّنّة.. هل نصروا السنّة؟!

سلطان بركاني
  • 1470
  • 0

من فرائد الخذلان الذي ارتكست فيه الأمّة في هذا الزّمان؛ أنّه وفي هذه الأيام الكالحة التي يُباد فيها أخيار هذه الأمّة في الأرض المباركة ويُقتلون جوعا وحصارا، لا تزال طائفة من هذه الأمّة تتغنّى بأمجادٍ ليس الأوان أوانها لو كانت بارّة صادقة فيها، كيف وهي كاذبة خاطئة؟! أمجاد الدّفاع عن السنّة والجهاد في سبيل نشرها! فكلّما قام غيور لينكر على هذه الطّائفة خذلانها لأهل الرباط في الأرض المقدّسة، لاذت بهذه الحجّة الداحضة وزعمت أنّها قائمة على ثغر عظيم؛ ثغر الدّفاع عن السنّة والردّ على أهل البدع! والمصيبة أنّها تضمّ إلى قائمة المبتدعة الذين تعلن عليهم حربها، تلك الطائفة التي تواجه الصهاينة في غزّة؛ على اعتبار أنّها محسوبة على “الإخوان المسلمين”!

كثيرا ما يتباهى المداخلة بأنّ شيخهم “ربيعَ المدخليّ” عاش حياته ناصرا للسنّة، ذابّا عن أعراض الصّحابة، حتى مات في مدينة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- ودفن في البقيع بجوار الصّحابة.. ونحن إن تغاضينا عن حقيقة أنّك لو سألت أيّ مدخلي عن ماهية السنّة التي نصرها ربيع، فربّما فغر فاه، وفي أحسن أحواله سيعدّد لك بعض سنن العبادات، وبعض سنن الهدي الظّاهر، وربّما انتقل لك إلى الحديث عمّا يمكن أن يُسمّيه “سنّة الردّ على المبتدعة وبيان حالهم”! فإذا سألته عن سنّة جهاد الكفّار والمنافقين والغلظة عليهم التي قام بها النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أحسن قيام، وعن سنّة القيام بالحقّ ونصرة المظلومين وردع الظّالمين، وسنّة الرّحمة بالمؤمنين والسّتر عليهم والسعي في تأليف قلوبهم وتوحيد صفوفهم، وسنّة الدّفاع عن المجاهدين ورفع شأنهم والغيرة لهم؛ فإنّ المدخليّ لن يجد جوابا!

بِغضّ النّظر عن هذا، فإنّ ما يسمّى “نصر السنّة” هو عنوان يحتاج إلى مصاديق، وإلا كان دعاوى فارغة لا تنفع صاحبها ولو ردّدها كما يردّد أذكار الصّباح والمساء! فهذا –مثلا- عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأس النّفاق في زمن النبوّة، كان يسكن المدينة، ومات بها وصلّى عليه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بعد أن كُفّن في القميص الشّريف، ودفن في البقيع إلى جوار الصحابة، وقد كان يدّعي نصرة السنّة والانتصار لصاحبها، وإن عجبت فهاك الدّليل:

أخرج البيهقي في “دلائل النبوة” عن الزهري أنّه قال: “كان لعبد الله بن أُبي مقامٌ يقومه كل جمعة لا يتركه؛ شرفا له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله -صلى اللـه عليه وسلم- يوم الجمعة يخطب، قام (ابن أُبيّ) فقال: “أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه، وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا”، ثم يجلس!”.

فأنت ترى أنّه كان داعية إلى السنّة وإلى طاعة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-.. لكن، حين حان الوقت ليقدّم مصداقا لكلامه، تشبّث بذرائع واهية وحجج ساقطة ليخالف النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام-!

في تتمّة رواية البيهقي: “فلما قدم رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- من أحد، وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل؛ أخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام بأهل، قد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأني قلت هجرا أن قمت أشدد أمره! فقال له رجل: ويلك! ارجع يستغفر لك رسول الله –صـلى الله عليه وسلم-! فقال المنافق: والله ما أبغي أن يستغفر لي”.

ظلّ ابن سلول يتظاهر بنصرة صاحب السنّة، لكن حين حانت ساعة التدافع بين الحقّ والباطل، وخرج النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- إلى أحد؛ رجع ابنُ سلول بثلث الجيش الإسلاميّ، بحجّة أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لم يستشرهم في القتال، وأنّ الجيش سيتعرّض للقتل، وقال: “ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ها هنا أيها النّاس”!

ومع كلّ أسف فإنّ “ربيع المدخليّ” وكثيرا من الدّعاة السّابحين في فلكه، سائرون على سنّة ومنهج ابن سلول في الإرجاف والتثبيط والتحريض ضدّ المجاهدين، وحجّتهم هي نفسها حجّة ابن سلول، لكن بعبارات أخرى: الذين رفعوا راية الجهاد مغامرون أمام عدوّ قويّ! هؤلاء لم يستشيروا ولاة الأمر! ولم يطلبوا رأي العلماء!

نحن لا نسوّي ربيع المدخليّ بابن سلول، ولا نتّهم شيخا نحسبه يبطن الإيمان برجل يبطن الكفر، ولكنّنا نرى الأفعال تتشابه! وربيع المدخليّ نفسه كان له –قبل ذلك- دور من أقذر ما يكون في موقفه من جهاد الأفغان ضدّ الأمريكان، حين أجلب حزبه على الأفغان بأنّهم قبورية مبتدعة، وأنّ قادة الجهاد إخوان مفلسون! وهو الذي كان قبل ذلك، حين كان الأفغان يجاهدون ضدّ الرّوس، يحرّض على القتال! والسّبب أنّ وليّ الأمر ارتضى الجهاد ضدّ الروس بأمر أمريكيّ، وأمر بتنكيس رايته حينما كان المحتلّ هو أمريكا نفسها! وكان لربيع دور آخر لا يقلّ قذارة حينما تداعت الأمّة لنصرة العراق المسلم ضدّ الأمريكان وحلفائهم، فكان هو وحزبه يحرّضون ضدّ صدّام وجيشه بحجّة أنّهم بعثيون ملاحدة! وكان له دور قذر في التثبيط عن جهاد اليهود بحجّة أنّ قادة الجهاد هناك من الإخوان! وذهب بعيدا في الثناء على اليهود والطّعن في المجاهدين، حينما قال عن الصهاينة المحتلين إنّ عندهم شيئا من الأخلاق! وزعم أنّ الفلسطينيين لو تركوا اليهود وشأنهم، فإنّ اليهود سيتركونهم! وعدّد أيادي اليهود البيضاء على الفلسطينيين، فقال: “فتحوا لهم الجامعات، أعطوهم الصحف، تركوا لهم حرية في تدينهم، في مساجدهم، في جامعاتهم…”!

هذا الكلام، يذكّرنا بموقفِ عبد الله بن أبيّ بن سلول، بُعيد غزوة بني قينقاع (2 هـ)، حينما جاء رأس النّفاق إلى النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- يشفع في اليهود الذين كانوا قبل ذلك قد نبذوا عهدهم مع المسلمين وأظهروا الحسد والعداوة، وأرادوا امرأة مسلمة على حجابها، وقال ابن أُبيّ: يا محمد، أحسن في مواليَّ (وكانوا حلفاء الخزرج (قبيلة ابن سلول) في الجاهلية)، فأعرض عنه رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-، فأدخل المنافق يده في جيب درع النبي -صلّى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: أرسلني، وعرف الغضب في وجهه –عليه الصّلاة والسّلام-، قال ابنُ سلول: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: هم لك.

فهل يريد أتباع “المدخليّ” من رجال الأمّة في غزّة، أن يتركوا لهم اليهود وشأنهم؟ هل هناك حلف غير معلن بين القوم وبين الصّهاينة، أو على الأقلّ بين أولياء أمورهم وبين الصهاينة؟ من حقّنا أن نشكّ في ذلك ونحن نرى هؤلاء المداخلة يصرّون على أنّ قتال المحتلّ الصهيونيّ المغتصب للأمر المقدّسة، لا يُشرع إلا بإذن وليّ الأمر!

مقالات ذات صلة