الرأي

أرخسوهم بالترك

الشروق أونلاين
  • 3094
  • 12

حملات مقاطعة اللحوم بسبب غلائها الفاحش في كل أيام السنة وليس في موسم الصوم فقط، لن يُغيّر من وضع السوق عندنا شيئا، لأن اللحم في الجزائر بكل أنواعه أصبح من الكماليات ولا يتناوله إلا الأثرياء الذين لا يؤمنون بالمقولة الإسلامية الشهيرة “إذا غلا الشيء أرخسته بالترك”.

فقد مارست العديد من الشعوب حملات ترخيس البضائع الضرورية بالترك أو بإنتاج الكثير منها، فأصبح الأرز أرخس البضائع في الصين التي حققت الاكتفاء الذاتي، وصارت تصدره للكثير من دول العالم، وأصبح القمح أرخس البضائع في الولايات المتحدة الأمريكية التي حققت الاكتفاء الذاتي وصارت تصدره للكثير من دول العالم، بينما يبقى الجزائريون منذ نصف قرن من الاستقلال مستعمرين من طرف منتجي اللحوم وغيرها من المواد الغذائية، ونراهم يرخسون كلما غلت أسعار مختلف البضائع، ومنها العقار الذي حطّم كل الأرقام الموجودة في كل دول العالم، فصارت شقة الثلاث غرف في العاصمة بملياري سنتيم وهو ثمن يكفي لشراء فيلا في الضاحية الباريسية، ومع ذلك هناك من يجمع السكنات كهواة جمع الطوابع البريدية، وعندما نعيش في بلد لا أحد يفهم أي نظام اقتصادي يسيّره، إن كان هناك أصلا نظام اقتصادي يسير عليه، فإن أي تحرك شعبي لكسر الأسعار أو محاربة المحتكرين لا يُعطي ثماره، لأن الطالب الجامعي يتناول اللحم يوميا في وجبتيه بدينار رمزي، بينما والده يشتريه بسعر يزيد عن الألف دينار للكيلوغرام الواحد، ولا ندري هنا إن كان الطالب سيلجأ لترك اللحم تضامنا مع والده، كما يحدث تماما في معادلة الحاصلين على سكنات اجتماعية بالمجان ويشتريها آخرون بالمليار، ضمن معادلة تبيّن مدى عبقرية النظام الذي جعل المواطن في مواجهة المواطن، لأن حملة ترك اللحم لأجل ترخيس ثمنه، لن تضرّ السلطة والمسؤولين الذين لا يعلمون أصلا ثمن اللحوم التي يأكلونها ويؤكلون كلابهم منها، فما بالك أن يساهموا في حملة مقاطعة اللحوم التي لا نشم رائحتها في طنجرة المواطنين إلا خلال الشهر العظيم.

مفهوم مقولة إذا غلا الشيء أرخسته بالترك لا يعني أنها أسلوب حياة بالنسبة للأمم، بل هو رد فعل آني من أجل الانطلاق في العمل، لأن القاعدة الاقتصادية تقول أن الأثمان تسقط بالضربة القاضية كلما فاق العرض الطلب، ثم إن كل المستورد غالي الثمن من طائرات وبواخر وماكنات، ولا يمكن تركها، وإن تركناها لن يرخس ثمنها، ويبقى إنتاجها وتصنيعها هو الحل الوحيد لأجل جعل أسعارها في متناول الجميع، لكن تطبيق هذه المقولة معنويا سيُرخس من قيمة الكثير من المسؤولين الذين تمكنوا من رقاب المواطنين وجعلوهم يفكرون في اللحم بدل التقوى قبل شهر التقوى، وتمكنوا من أن يدفعوا شبابا صائما طوال العام عن أكل اللحوم لأجل الصوم في عز زمن الإفطار الرمضاني، وعندما يترك المواطن تمجيد المسؤولين والأثرياء سيُرخس الكثير من صفات التكبر فيهم، وعندما يترك المواطن التهليل لمن مصوا إخوانه وظلموهم عندها فقط سيصغر في عينه ما كان يظنه من العظائم ويرخس من كان يظنه غاليا.

مقالات ذات صلة