الجزائر
صاحبة رواية "بوركيني" تنبأت بالسجال، اللبنانية مايا الحاج لـ"الشروق":

أرفض “تجريم” البوركيني والمرأة المسلمة “ضحية” مرّتين

حاورها: حسان مرابط
  • 8328
  • 1
ح.م
الروائية اللبنانية مايا الحاج

تزامنا مع منع فرنسا لـ”البوركيني” في شواطئها وعدولها فيما بعد عن القرار بعد الضجة والاحتجاجات التي خلفها المنع، حاورت “الشروق” الروائية اللبنانية مايا الحاج التي كتبت عن البوركيني في أولّ باكورة أدبية لها بعنوان “بوركيني.. اعترافات محجبة”، حيث كشفت مايا الحاج أنّها لم تكن تتوقع أن تحدث روايتها ضجة لكن كانت تتمناها.

معتقدة أنّ ما أقدمت عليه فرنسا يرتبط بصراع الأصليين والمهاجرين، وأصبح مصدر قلق مع ظهور داعش والعمليات الإرهابية في أوروبا، وتشير أنّ قضية “البوركيني” تختلف عن قضية “النقاب”، هذا الأخير -حسب- مايا وراءه دوافع أمنية محقة، كما لفتت أنّها تطرح في الرواية ثنائية الحجاب والعري ولا تقدم محاكمة للمرأة بحجابها أو سفورها.

عنوان روايتك “بوركيني.. اعترافات محجبة ” كيف جاءتك فكرة اختيار مثل هكذا عنوان؟ وهل كنت تعتقدين أنّ عملك سيلقى الرواج ؟ خاصة وأنّ العنوان يبدو غامضا ومثيرا في الوقت ذاته لمن يقرأه من الوهلة الأولى؟ 

تطرح قصة صراع نفسي جرّاء انفصام داخلي تعيشه فتاة بين خيارين متناقضين حدّ التطرّف، من جهة هي فتاة محجبة تعيش بجسد مُغلق، ومن جهة أخرى فنانة متحررة ترسم أجساداً أنثوية عارية، إنها قضية الجسد بين ثنائية الحجاب والعري.

ومن هنا العنوان بوركيني (برقع وبيكيني)، أما اعترافات محجبة فهو عنوان فرعي اعتُمد في الطبعة الأولى كإضاءة على العنوان المجهول معناه وقتها (عام 2014)، ثم تخليت عنه في الطبعة الثانية، وصدرت بعد نحو ثمانية أشهر من صدور الرواية. كنت حينذاك متوجسة من عنوان قد لا يشدّ القارئ لغرابته، خصوصا أن اسمي كان أيضا غير معروف روائياً، باعتبار بوركيني روايتي الأولى، لكنّ النقاد والقرّاء أجمعوا على حسن اختيار العنوان الذي كنتُ سمعتُ عنه صدفةً بعدما اشترت إحدى الصديقات مايو البوركيني وسبحت فيه في شرم الشيخ، لم أكن أتوقع طبعاً أنّ هذا العنوان الذي كان الجميع يسألني عن معناه سيغدو بعد فترة الكلمة الأكثر انتشاراً في الصحف والتلفزيونات ومواقع التواصل الاجتماعي. 

ولم أكن أتوقع هذه الضجة التي أثارتها الرواية، لكنني كنت أتمناها، كنت أعلم أنني أرسم شخصية جديدة لم يسبق أن قُدمت في الرواية العربية، بطلة بوركيني كسرت شخصية المثقفة النمطية في الرواية العربية من جهة، ومن جهة ثانية كسرت نمطية المرأة المحجبة في الأدب، إنها امرأة موجودة في المجتمع لكنها غائبة فنياً وأدبياً، وهذا على ما أعتقد أكثر ما جذب اهتمام الناس إليها، إضافة إلى عوامل أخرى طبعاً. 

بطلة الرواية امرأة محجبة “رسامة متحررة” تحلم بالسباحة بالبيكيني وترفضها بالبوركيني؟ لماذا هذه الصورة الازدواجية في شخصية واحدة؟ 

البطلة فتاة محجبة، وإنما غير تقليدية، إيمانها لا يخلو من الشك، قلقها لا يستكين بالفرائض الدينية، قلقٌ يعكس اتقاد عقلها ودرجة وعيها، هي فنانة، فرنكوفونية، مثقفة، ترى الأشياء بعين رسامة تقدّس الجمال في كل مكان، تحلم بالبيكيني لأنه ممنوع أن ترتديه، وكلّ محجوب مرغوب، بينما ترفض البوركيني لأنه يُعاكس الطبيعة، هي لا ترى نفسها في البحر من دون أن تتدفق مياهه على جسدها وتتلألأ حباته على بشرتها الناعمة، تحبّ أن تلتقي برودة الماء بحرارة جسدها المكشوف، ومن هذا اللقاء تتأتّى متعة السباحة والنزول في البحر. 

بعد نشر الرواية هل تنبأت بأنّها تحدث ضجة في الإعلام؟ 

في الرواية الأولى، يكتب أحدنا عمله بتهيّب وإنما بلا توقعات، يسير في طريق لا يعرف ماذا ينتظره في نهايته، لكنّه يستمتع بكل لحظة يعيشها خلال المسار. 

ما علاقة لباس “البوركيني” بقضايا مثل الحرية والعلمانية والنظام العام على رأي الأستاذ عبده وازن؟ 

ليس البوركيني هو الموضوع، إنما جسد المرأة هو الذي يغدو في كلّ مرّة ورقة يتعارك عليها المتخاصمون “المتطرفون” في آرائهم، طرف يريدها ناقصة، عورة، شهوة، يجب ركنها في زاوية بيتها بعيداً عن أعين المتلصصين، وليس هذا ما أوصى به الدين الحقيقي ونساء القرآن والسير النبوية (بلقيس ملكة سبأ، وآسيا زوجة فرعون، سارة زوجة النبي ابراهيم، مريم بنت آل عمران، السيدة خديجة، السيدة عائشة…)، والطرف الآخر يريد جسدها متحررا دلالةً على تحرّر فكرها، ولا يقبل بها إلا بالصورة التي يروّج لها، بعيداً عن أصالة كلّ مجتمع أو بيئة . 

لماذا برأيك واجهت فرنسا “البوركيني” بصورة حذرة ومتوجسة؟ ألأمر علاقة بالإرهاب والإسلاموفوبيا أم هي حملة تمتد إلى حملة حظر “البرقع” والنقاب”؟ 

تارةً المشكلة في الحجاب، وطوراً في النقاب، والآن في البوركيني وغداً قد يصير التوربان هو الأزمة، ولا أظنّ المشكلة في أيّ من هذه الأمور بمقدار ما هي مشكلة وجود، إنه صراع الأصليين والمهاجرين، وهذا الأمر تبيّن عبر زلاّت لسان كثيرة.

عدد المسلمين يرتفع باطراد في أوروبا عامة، وفي فرنسا خصوصا، وأصبح الأمر مصدر قلق لا سيما مع ظهور داعش والعمليات الإرهابية المروعة في عواصم كثيرة،  وفي كل الحالات تبقى المرأة هي المستهدفة، النساء المسلمات ضحيات مرتين، في بلادهن وفي المهجر. 

   

ما رأيك في السياسي الجزائري رشيد نكاز الذي تكفل بدفع غرامات مالية للحكومة الفرنسية بسبب حبسها من تخالفها وتلبس “النقاب” والآن يدفع غرامات مالية لمن تعاقب على ارتداء البوركيني؟

لا شأن لي بما فعله رجل الأعمال الجزائري، ولكن بصراحة أفهم جيداً قرار منع النقاب في أوروبا لأن وراءه تكمن دوافع أمنية محقة، العالم متوتر ولا يحتم هويات متخفية خلف النقاب، لكنّ البوركيني قضية أخرى هو تصميم بحري لا يختلف عن ملابس الغطس، ترتديه المرأة المحجبة كي تنغمس في صميم الحياة الغربية بدلا من التقوقع والانعزال بين جدران منزلها، وقد ترتديه أي امرأة غير مسلمة لا تريد الكشف عن جسدها لأسباب مرضية أو شخصية لا علاقة لها بالدين مطلقاً.

هل حاكمت في روايتك “بوركيني” المرأة المحجبة أو المتحررة؟ وكيف تعاملت مع الشخصيتين؟

كلّ من قرأ الرواية أو كتب عنها أكّد أن “بوركيني” لا تُقدّم محاكمة للمرأة بحجابها أو سفورها، إنما تطرح القضية عبر ثنائية الحجاب والعري عبر بطلة تجمع في داخلها الشخصيتين معاً، ملتزمة، حرّة، محجبة، نزقة، محتشمة، حسيّة… امرأة تتصارع في باطنها ملائكة وشياطين، تظلّ هي الكائن اللامنتمي، لكنّ تأرجحها بين العالمين المتناقضين لا يزيدها إلا غموضاً وعمقاً وجمالاً. 

مقالات ذات صلة