الشروق العربي
أول مدينة محصنة وسبقت بناء الأهرام بـ4 ألاف سنة

أريحا .. قمر البشرية الذي لم يختف عن الأنظار

الشروق أونلاين
  • 7771
  • 0

استقرت البشرية عندما عرفت المدينة، رغم أن أغلب المدن على سطح الأرض اندثرت وأصبحت ذكرى في أحسن الأحوال، الا أن هناك مدنا كانت استثناء تمكنت من الانتصار على تقلبات الدهر وصمدت باستمرار الحياة في جنباتها.

 ويضم العالم العربي الكثير من المدن التي تحدت عوامل الطبيعة وأهوال الحروب ومن ابرزها مدينة أريحا الفلسطينية التي تعد أقدم مدن العالم التي لم تفارقها الحياة ولم تتوقف فيها أنفاس البشر منذ 10 آلاف عام تقريبًا حتى يومنا هذا.

مدينة أريحا في الضفة الغربية بالقرب من نهر الأردن شرق فلسطين، تبعد عن مدينة القدس (38) كلم، شهدت قدوم أول سكانها عام 9000 قبل الميلاد في العصر الحجري وازدهرت في العصر البرونزي الأوسط (2000 قبل الميلاد).

عندما تطل على أريحا من بعيد تشعر أنك تطل على احدى مدن الجزائر الصحراوية بسبب مشهد النخيل، حيث تنتج المدينة التمور، بالإضافة الى الموز والحمضيات، وربما تكون خضروات وفواكه أريحا هي الأفضل مذاقاً في العالم كله، كما أنها تعد سلة فواكه وخضار فلسطين.

يصف البغدادي أريحا في معجم البلدان بالقول: أريحا مدينة الجبارين في الغور من أرض الشام، سميت بأريحا نسبة إلى أريحا بن مالك بن أرنخشد بن سام بن نوح عليه السلام، ومعنى كلمة أريحا عند الكنعانيين “القمر”، وفي اللغة السريانية معناها “الأريج”، وقد سبق تأسيسها مدينة لشبونة التي سكنها الإنسان عام 1000 قبل الميلاد وروما التي سكنها الإنسان عام 753 قبل الميلاد ولندن التي سكنها الإنسان عام 43 ميلادية.

 وهاجم العبرانيون أول مدن العالم، بقيادة يوشع بن نون سنة 1450 ق.م واستولى جنوده على المدينة الكنعانية الجميلة وأحرقوها وقضوا على سكانها، وأخرجهم عجلون ملك المؤابيين، في عصر القضاة (1170-1030 ق.م) واتخذها عاصمة له، ثم مر عليها الرومان، واكتسبت المدينة أهمية كبيرة في عهد المسيح عليه السلام، إذ زارها المسيح نفسه وأبرأ فيها عيون أعميين، وهما برتيماوس ورفيقه، كما زارها النبي زكريا عليه السلام.

 وسيطر على المدينة قسطنطين الكبير (306-337م) “مؤسس القسطنطينية”، انتشرت المسيحية فيها حتى دخلت أريحا في الدولة العربية الإسلامية، وفي صدر الإسلام كانت أريحا مدينة الغور وأهلها من قوم قيس وبها جماعة من قريش، وفي عهد النبي محمد ـ صلي الله عليه والسلام-، أخرج الرسول اليهود من المدينة المنورة لطغيانهم فخرجوا إلى الشام وأذرعات وأريحا، ثم أجلى عمر بن الخطاب من تبقى منهم من أرض الحجاز إلى تيماء وأريحا، في أثناء الحكم العثماني رفعت درجة أريحا من قرية إلى ناحية، يقيم فيها حاكم يدعى المدير، يتولى إدارتها، ثم عاشت سنوات تحت عهد الانتداب البريطاني، وفي عام 1943م بلغ عدد سكانها نحو 4.600 نسمة.

بعد اتفاق أوسلو عام 1993م كانت أول مدينة يتم تسليمها للسلطة الوطنية الفلسطينية، لتشهد تحولات مهمة أهمها إقامة عدد من المشاريع السياحية وإقامة عدد من الفنادق والحدائق العامة، وأول مشروع تلفريك.

وتعد أريحا مدينة سياحية من الدرجة الأولى بفضل مناخها المعتدل شتاء وبفضل العديد من المواقع التاريخية والأثرية المنتشرة في كل مكان تقريباً في المدينة وحولها، من الكنائس والقصور والمساجد، وتتميز بكرم أهلها، أما في الصيف فيتجنب الكثيرون زيارة أريحا للارتفاع الشديد لدرجة الحرارة فيها بسبب انخفاض مستواها عن سطح البحر بـ250 متر، حتى أن الكثير من أهلها يغادرونها في الصيف متجهين إلى المحافظات الجبلية وخاصة رام الله والقدس.

 وحول واقع المدينة الحالي أجرت “الشروق العربي” حوارا مع محافظ مدينتي أريحا والأغوار في فلسطين، وهل سيتم ضمها إلى اليونيسكو كمدينة تراث عالمية، قال أن وزارة السياحة الفلسطينية ستقدم العام الحالي ملف أريحا لضمها لمنظمة اليونيسكو كموقع أثري يجب حمايته من قبل الهيئات الدولية باعتبار أن المدينة لها علاقة بتطور الحياة الانسانية تاريخيا على غرار مدينة بيت لحم والبلدة القديمة في الخليل.

وعن العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال، أوضح أن فلسطين بمجملها تحت الاحتلال وكل الاتفاقيات الموقعة معه تم ضربها بالحائط، مضيفا أن سلطات الاحتلال تسيطر على المعابر الدولية والمعبر الوحيد في الضفة الغربية الموجود في اريحا مع الأردن معبر الكرامة.

 وأشار الى أن كل الافواج السياحية القادمة إلى فلسطين تأتي عبر وكلاء سفر إسرائيليين يحددون البرامج المسبقة لهذه الافواج السياحية وتستثني المناطق الفلسطينية منها، بالإضافة الى التحريض المتعمد من جانب هؤلاء الوكلاء بتعليمات من حكومة الاحتلال للعمل على منع وتحذير وتخويف الوفود والأفواج السياحية من زيارة المدن الفلسطينية بدعوى الحفاظ على حياتهم.

وكشف عن صدور اتفاقيات من وزارة السياحة الفلسطينية العام الماضي للحد من سطوة سيطرة الكيان الاسرائيلي على الافواج السياحية وخاصة الوفود القادمة من شرق آسيا والحجاج الذين يأتون لزيارة الأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية.

وحسب المحافظ، يوجد 37 مستوطنة اسرائيلية على امتداد الأغوار من البحر الميت جنوبا إلى بيسان شمالا يسكنها 6 آلاف مستوطن يهودي يقومون باستثمارات زراعية وسياحية، الاستثمارات الزراعية تعود عليهم بعائد مالي يصل إلى 600 مليون دولار سنويا، وفيما يتعلق بالاستثمارات السياحية والصناعات السياحية والأسمدة الكيماوية المتعلقة بالزراعة المستخرجة من البحر الميت وأملاح البحر الميت تصل العائدات إلى 500 مليون دولار.

وقال أن عدد الفلسطينيين في مدينة أريحا والأغوار أكثر من 60 ألف فلسطيني، وهي أقل المدن الفلسطينية في عدد السكان، على الرغم أن عدد سكان المدينة قبل احتلال اسرائيل لها عام 1967 كان 250 ألف فلسطيني بسبب منع الاحتلال الفلسطينيين من المدن الاخرى من القدوم والسكن في الأغوار، وعمل الاحتلال عبر سياسات ممتدة على تفريغ الأغوار من الفلسطينيين وسيطرة الاحتلال على المصادر الطبيعية كالمياه مما زاد من مساحات التصحر، فضلا عن اعتبار قوات الاحتلال 85% من مساحة أريحا والأغوار مناطق عسكرية مغلقة ومعسكرات للجيش أو حواجز أمنية أو مناطق تدريب.

اكتشف علماء الآثار في المدينة بقايا عشرات الجماعات والحضارات التي مرت بها بداية من الهكسوس والصليبيين والفرس والبيزنطيين والاحتلال البريطاني حتى دولة الاحتلال الاسرائيلي، لذلك تضم عددا كبيرا من المواقع التاريخية والأثرية الهامة التي تحمل بصمات العابرين ومنها:

 تل السلطان: يعتبر أقدم منطقة في أريحا وأظهرت الاستكشافات الأثرية التي قام بها عالم الآثار البريطاني ك. كينيون وجود مستوطنات تعود إلى 9000 سنة قبل الميلاد بها، ويعتقد بوجود بقايا لـ23 حضارة قديمة قامت بالبناء في هذا الموقع، العديد من الهياكل القديمة واضحة فيها من ضمنها أقدم نظام درج، وأقدم حائط وأقدم برج دائري للدفاع في العالم، يعود إلى 7000 سنة قبل الميلاد مما جعل أريحا أول مدينة محصنة في التاريخ.

 تعتبر مشاركة ومساهمة مدينة أريحا في الحضارة الإنسانية فريدة من نوعها، فهي تعتبر السباقة في مجالات عدة منها تدجين الحيوانات، والزراعة المنظمة، وكذلك اختراع صناعة الفخار، فالأسوار والأبراج في أريحا قد سبقت الأهرامات في مصر بحوالي 4000 سنة، سمي نبع عين السلطان بهذا الاسم، لأن البابليون قد قاموا باقتلاع عيني ملك منحى عن العرش من بيت المقدس هنا، وقد أطلق عليه أيضاً اسم نبع اليشا بعد أن قام النبي إليشا بتحلية مياه هذا النبع.

جبل التجربة: حيث يوجد دير قرنطل “جبل الأربعين”، والذي يطل على وادي الأردن، وفي هذا الموقع أمضى السيد المسيح عيسى عليه السلام 40 يوماً وليلة صائماً ومتأملاً خلال إغراءات الشيطان له، وعلى المنحدر الشرقي للجبل توجد هنالك العديد من الكهوف يبلغ عددها تقريباً 30-40 كهفا وقد سكنها النساك والرهبان في الأيام الأولى للمسيحية.

طواحين السكر: تقع في منتصف الطريق بين تل السلطان وجبل التجربة وعلى جهة اليمين تقع طواحين السكر، من المعروف أن إنتاج قصب السكر وتصنيعه كان معروفاً منذ زمن الأمويين، وقد قام الصليبيون بتوسيع إنتاج السكر للتصدير إلى أوروبا ولهذا قاموا ببناء طواحين سكر متطورة بقيت آثارها في مدينة أريحا.

قصر هشام: وهو القصر الذي شيده الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك سنة (724 –743م) أو الوليد بن يزيد (743 –749م) مقراً للدولة، فمن المعروف أن السلالة الأموية العربية قد حكمت إمبراطورية تمتد من الهند إلى فرنسا، وكما هو الحال مع معظم الخلفاء العرب فقد فضل الخليفة هشام بن عبد الملك حياة الصحراء على حياة المدينة في العاصمة دمشق، القصر هو عبارة عن مجموعة من الأبنية وأحواض الاستحمام والجوامع والقاعات الكبيرة، ورغم عوامل الزمن حفظت الفسيفساء والرسومات الرائعة الموجودة في القصر.


أريحا تواجه الطمس العبري وعسكرة الاحتلال، لكن المدينة الأقدم ستلفظ يوما المحتل كما فعلت مع كل العابرين وستبقى مدينة العالم الأولى.

مقالات ذات صلة