أرِحْنا منها يا إمام!
دأبت جريدة الشّروق خلال شهر رمضان، على نشر قصاصات تسلّط الضّوء على يوميات بعض الجزائريين مع الشّهر الفضيل، وهي وإن كان الغرض منها الطّرفة والفكاهة، إلا أنّها تصلح مادّة يعتمد عليها الأئمّة والخطباء، لنقد سلوكيات الصّائمين في أيام رمضان ولياليه.
ولعلّ من الظّواهر واليوميات التي تستحقّ وقفات جادّة، لوضع اليد على موضع الدّاء، ومحاولة معرفة مكمن الخلل وإيجاد العلاج المناسب، حال بعض الجزائريين مع صلاة التّراويح، ممّن يجتهد بعضهم في البحث عن أكثر الأئمّة إسراعا في القراءة، ليتسنّى لهم إتمام الصّلاة في أقصر وقت ممكن، ليتفرّغوا بعد ذلك لجلسات المقاهي وجولات الأسواق.. ما عاد يهمّهم أن يبحثوا عن أندى الأئمّة صوتا وأخشعهم قراءة، وإنّما أصبح شعارهم “أرحنا منها يا إمام“؛ والحقّ يقال إنّ العتب ليس على هؤلاء المصلّين الذين .
وعلاوة على أنّ غالبيتهم من فئة الشّباب والكهول وليسوا من أصحاب الأعذار، فإنّ أكثرهم لا يعرفون للمسجد طريقا إلا في أيام الجُمعة والأعياد وفي رمضان، ولا يصلّي بعضهم الفجر في بيوت الله في رمضان فضلا عن غيره من الشّهور، بينما يجادلون الأئمّة في هذا الشّهر لأجل التّخفيف والإسراع، ويقطعون في بعض الأحيان مسافات طويلة لأجل الظّفر بالإمام الذي يحمل المواصفات المطلوبة؛ العتب ليس على هؤلاء وحدهم، وإنّما هو أيضا على أولئك الأئمّة، الذين رفعوا شعار“ما يطلبه المصلّون“، متذرّعين بأنّ التّيسير مطلوب والتّخفيف مرغوب، وهي ذريعة تُقبل لو توسّط هؤلاء الأئمّة في الأمر، ولكنّهم مالوا إلى التّفريط، فترى الواحد منهم لا يكاد يثبُت في قيام ولا ركوع ولا سجود، وتسمعه يسرع بالقرآن ويهذّه هذًّا، حتى لا تكاد تفهم منه كلمة، وبعضهم يكتفون بقراءة آيات قليلة في كلّ ركعة، غير مراعين لكون هذه الصّلاة ما سمّيت صلاة القيام إلا لأنّه يطول فيها القيام، وغير مبالين برغبة عدد غير قليل من المصلّين في ختم القرآن في شهر القرآن، وعرض أحوالهم وقلوبهم على كلام الواحد الديان في شهر رمضان.
صلاة التّراويح ليست مفروضة، وإنّما هي سنّة مؤكّدة، من صلاّها فله الأجر إن كان مخلصا، ومن تركها فلا إثم عليه، من كان معذورا لكبر سنّه أو مرض جسده أو وهن بدنه، فله أن يصلّي خلف الإمام قاعدا، وله الأجر كاملا بإذن الله، ومن كان صحيحا معافَى، وأراد أن يصلّي جالسا لقسوة قلبه وثقل روحه، فيجوز له ذلك، وله نصف الأجر؛ فليس من حقّ المعذور أن يصرّ على الصّلاة قائما، ويعاتب الإمام على الإطالة، وليس من حقّ من غلبته نفسه وشغلته دنياه أن يلقي باللائمة على الإمام الذي لا يتجاوز في قراءته ربع حزب في الرّكعة الواحدة.
نعم، هناك بعض الأئمّة ينفّرون المصلّين من الصّلاة، بإصرارهم على اختيار قراءة بطيئة وتكرار الآيات والتّنويع في القراءات، وهؤلاء لا شكّ مفْرطون ومخطئون، لكنْ أن تتحوّل صلاة التراويح إلى عبء ثقيل نسعى لإلقائه عن عواتقنا في أسرع وقت ممكن، اتّباعا لأهواء نفوس تأبى الجدّ في مواسم الجدّ، ونزولا عند رغبة بعضٍ ممّن لا يريدون مجاهدة أنفسهم في شهر المجاهدة، فهذا ظلم بيّن لصلاة القيام ولرمضان ولكلام الحنّان المنّان.