أزمة التعبير في الجزائر.. رؤية مختلفة
قد يبدو الكلام في هذا الموضوع عبد البعض نوعا من الترف الذي لا لزوم له، خاصة في هذه الأوقات الحَرجة؛ حيث يكاد الصراع يبلغُ منتهاه بين عُصب متنافرة ذات ولاءات مختلفة ومصالح ضخمة كبيرة، ليس لديها من همّ سوى امتلاك أدوات القوة ووسائلها بعيدا عن الكلام الجميل الراقي، ولكني أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لطرح هذا الإشكال الكبير المتداخل المعقد: إشكال أزمة التعبير في وطننا، وأنا أعني بذلك كل وسائل وأدوات التعبير، بما تحمله كل وسيلة من إمكان إنساني حضاري كبير وراق ومُعِين على حلول المشكلات القائمة وغيرها.
نلاحظ جميعا أنه ومنذ سنوات عدة، والاحتجاجات تتصاعد في بلادنا أكثر فأكثر، وتكبُر؛ في عدد من القطاعات الحيوية في التربية، السكن، التعليم العالي، الصحة، النقل بأنواعه، والأمن في الفترة الأخيرة الخ… وبقطع النظر عن الأسباب الخَفية والمستترة لبعض الاحتجاجات، فإن اتساعها وقوتها، وبلوغها ـ أحياناـ مستويات عالية من التعبير العنيف والعناد، فضلا عن التخريب وقطع الطرق، وإحراق المرافق العمومية والخاصة والممتلكات، فإنما هي – وإن بدت احتجاجا وعصيانا- إنما هي تعبير، ولكن بغير اللغة وبغير الكلام؛ وهذا ما يؤشر إلى أزمة عميقة شاملة مستحكمَة في نظامنا التواصلي الإنساني عموما، وهي أزمة التعبير والإفصاح في المقام الرئيس.
إن التعبير عندنا معطل.. ووسيلته الأولى الكلام: إن الكلام غائب ومغيّب.. مهمّش.. ومبعَد.. ومقصى.. وهذا خطير على حاضر الوطن ومستقبل أجياله. بل خطير جدا؛ لأنه يرسخ طريق العنف أكثر فأكثر حتى في اللاشعور الجمعي، ويعزز القناعة “افتك حقك بيديك”!
* إن أكثر من 80 في المائة مما هو حاصل وقائم اليوم من أزمات واحتقان وانسداد، وسوء تفاهم إنما هو ثمرة مُرّة بائسة من ثمرات أزمة التعبير في مجتمعنا.
وفي المستوى الثاني يعني ذلك أننا لسنا مؤهّلين للتحاور والنقاش والتفاعل والتعامل بين بعضنا البعض؛ إما لأن طريق الحوار والكلام لا يوصل عادة إلى نتيجة، وتلك معضلة حقيقية فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية ينبغي إيجاد الحلول العاجلة لها، وينبغي أن تُسهم الدولة في بناء ذلك وتطويره وجوبا.
أما الاحتمال والتفسير الثاني فهو أن هناك طرفا أو أطرافا لا تؤمن أصلا بالحوار وقبل ذلك لا تؤمن بالكلام نفسه، كصيغة من صيغ التفاهم والتعامل. ولو أننا أحصينا مجموع الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن هذه الاحتجاجات الممتدة في الزمان والمكان منذ سنوات، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لعرفنا كم لحقَ مجتمعنا ودولتنا من الشرور والهدر والضياع والخسائر الجسيمة؛ بسبب تحييد هذه الطريقة الميسّرة الموصلة إلى كل خير حتما وهي طريق الكلام والتخاطب والحوار، أي طريق اللغة، طريق التعبير.
من هذا المنطلق أكدنا على أزمة التعبير؛ ما يعني أن هناك مشكلة قائمة راسخة تتمثل في عدم استخدام وسائل التعبير، وأرقاها هي اللغة: حوارا، ونقاشا، ومجادلة، وتبادل رأي، وتفاعلا بيننا.
لكن دعونا نعرج ـ قبل الخوض في تفاصيل هذا الإشكال المتأزم إلى بعض من ملامح الأزمة، ممثلة هنا في افتقاد أكثر المسؤولين عندنا إلى الامتلاء والاقتدار اللغوي، وبؤس إدارة الحديث والحوار مع الناس، وقد رأينا له أشكالا كثيرة مفجعة، مع أنها تبدو مضحكة.
لقد تابعنا الكثير من “التأزمات” التي تنشأ عن تصريحات وكلمات وأقوال ومداخلات لمسؤولين، سرعان ما تخلّف عواصف وراءها، وتزيد الأمور تعقيدا بدل أن تسهم في حل المشكلة محل التصريح والمداخلة، وليست وزيرة التربية سوى الحالة أكثر وضوحا وحضورا، من ضمن حالات كثيرة أخرى، معروفة وأخرى خفيّة مضمَرة هنا وهناك، في قطاعات متعددة، والكوارث أكثر في مستويات أدنى، في الشركات والمؤسسات والهيئات والإدارات المختلفة، فهناك مسؤولون لا يستطيعون إدارة نقاش، أو حتى السيطرة على اجتماع تنظيمي لسوء ما بُلي به من ثِقل في الكلام وسوء تدبير في التواصل والحوار، ونقص بشع في الكلام والتخاطب الجميل المقنِع مع غيره، وكثيرا ما يتحوّل ذلك إلى عجرفة وغطرسة ورطانات بالفرنسية، إن لم يكن سبابا وشتما وكلاما بذيئا متفحشا.
ولا يقولنّ أحد إن ذلك شأن هيّن، فالإدارات المحترمة تحرصُ أكثر ما تحرص على مهارات الإقناع والنقاش وإدارة الحوار والقدرة على التفاوض لما لكل ذلك من مزايا ورفع من منسوب القيادة لدى رئيس الشركة أو المدير أو المدير العام الخ؛ ولأن الأصل في الإدارة والتسيير هو قوة الاتصال والقدرة الكافية على التواصل مع المرؤوسين بما يحقق الانتظام والنظام والانسجام والسير الحسَن، وقد بحثنا هذا الموضوع في مقال سابق في الجريدة بعنوان “أمننا اللغوي في خطر”.
ولو تركنا هذه إلى ما بدأنا به الحديث بشأن أزمة التعبير لأمكن لنا أن نقول:
إن أكثر من 80 في المائة مما هو حاصل وقائم اليوم من أزمات واحتقان وانسداد، وسوء تفاهم إنما هو ثمرة مُرّة بائسة من ثمرات أزمة التعبير في مجتمعنا، ولا يعنيني هنا البحث السريع المتعجّل عن أسباب هذه الكارثة الوطنية، وإنما يعنيني أن أؤكد أن أكبر الحل وأوفقه لمشكلات الاحتقان والانسداد والتأزم المتمدد في نسيجنا السياسي والاجتماعي إحدى أهم وسائل الحل إنما هي.. الكلام.. التعبير.. الحوار.. التواصل الحقيقي؛ خاصة في ظل الاحترام المتبادل، وحسن الاستماع إلى بعضنا، وترك الحيلة والمراوغة والكذب وسوء الظن.
لنشجع التعبير الصادق العميق، بالكلام، باللغة، وبالنقاش والحوار والجدال، ولنطلق كل طاقاتنا في هذا المجال الإنساني المميز، أي التعبير..
لنعبّر عن كل ما ينبغي التعبير عنه، بقطع النظر عن صواب في الرأي أو خطأ، لنعبّر عن قناعاتنا وآرائنا ومشاعرنا وأفكارنا وما في رؤوسنا وأنفسنا، وليس ذلك سوى سبيل رائع لتسوية الكثير من المشكلات، سيخفتُ صوت العُنف وتتضاءل الحدّة وتتراجع القناعات السلبية، ونتدرّب على التعايش الجميل وتبادل الرأي والفكر، وفي ذلك كل الخير لحاضر الوطن ومستقبله. لحاضر الأجيال ومستقبلها.