أزمة الوعي في أمتنا أخلاقية وثقافية
لطالما سمعت من المرحوم السيد بن يوسف بن خدة رئيس الحكومة المؤقتة: إن أزمة مجتمعاتنا أزمة أخلاقية.. فيما أدركت من قراءتي لمفكرين كبار من أمثال مالك بن نبي وعلي شريعتي وجمال حمدان أن أزمتنا إنما هي أزمة ثقافية معرفية تتعلق بمدى التراكم المعرفي بما هو دائر من تدافع وصراع بيننا والغرب الاستعماري والتراكم المعرفي لخصائص هويتنا ورسالتنا وإمكانيات نهضتنا.. وقرأت لمفكرين مثل الجابري والأنصاري والمنجرة وسواهم أنه من الضرورة تدبر عملية التفكير وبناء أسس منطقية وعلمية لها.. بلا شك كل هذا صحيح ويمتلك أدلة وحججا بالغة في الوضوح.
ولا إضافة في تفسير وجهات النظر هذه أو الإتيان بمزيد من الأدلة على ما ذهبت إليه في تفسير الظاهرة التي نعيشها، وهي وجهات نظر وجيهة محترمة لها قيمتها في تدبر ما نعيشه.. لكن ما يلفت الانتباه في هذه الأونة بروز أزمة أخرى على سطح الواقع أكثر تعقيدا وأشد خطورة إنها أزمة الوعي.. الوعي بأنفسنا وبمن يحيط بنا، الوعي بدورنا في الحياة وبمآلنا، الوعي بالذي يجري في العالم ومن يقف خلفه وإلى أين يتجه؟ الوعي بكيفية إدارتنا لمعاركنا وكيفية ترتيب أفكارنا وأشخاصنا وأشيائنا، الوعي في معرفة الصديق من العدو ومعرفة المعيار في ذلك، الوعي بما يمكن تحقيقه ومتى وكيف، الوعي بما نقول وما نفعل، وما ينبغي أن نقول وما ينبغي أن نفعل ومتى نقول ومتى نفعل؟.. إنها أزمة الوعي ببعدنا الانساني في أرقى صوره وهو الادراك.
الوعي بهذا كله يحتاج إلى معرفة وثقافة ويحتاج إلى أخلاق وإلى عملية تفكير مستمرة وتدبر يستخدم أدوات التحليل والاستنباط والاستشراف.. وهذه الأرضية الواسعة من الأخلاق والمعرفة والتفكير تصنع لنا الوعي الضروري للنهوض بأمتنا في مواجهة التحديات.. الوعي في هذه الحالة هو الناصية الصادقة التي تقود المجموع إلى سلوك حضاري حكيم.
لكننا اليوم نعيش أزمة حقيقية.. إنها الأزمة التي يمر بها الوعي في الأمة وهذا التشخيص يقول به كل الفرقاء.. إنها أزمة تحرم الوعي من التنامي والاضاءة على الوقائع وتحرمه من أن يكون في مستوى طموحات الأمة وتشده ذات اليمين وذات اليسار، تصرفه عن قيادة الأمة نحو خيرها وصلاحها.. فلقد أصبحت قطاعات من المحسوبين على “المثقفين” في الأمة من مدارس دينية أو علمانية غير قادرين على الوقوف من قضايا أمتهم بتوازن وانضباط ومسئولية.. بل يسارعون في المهالك في حالات من السعار المستهين بالحياة الأدمية وحقوق البشر في التعبير والحياة، متشبثين بمقولات فاقدة الصلة بالواقع المحدد ويصبح إقصاء المختلفين مطلبا واجبا.. ويقودها وعيها إلى كوارث تفقد فيها القدرة على التوازن، فتضل عن فهم نفسها وتتوه في الاجابات المتناقضة على أسئلة يمليها الصراع مع الأمة وعليها.. هنا تكون الثقافة السطحية والجزئية أحد شروط صناعة أزمة الوعي، وهي أزمة على الصعيد المعرفي لا يحلها حفظ نصوص من آيات القرآن الكريم أو سردها أو استحضارها كلما حصل نقاش في قضية سياسية أو اقتصادية أو معرفية.. أزمة الوعي هذه تستفحل عندما يجتمع الجهل بالحياة وبادراتها بعنصر خطير يتولد عن الجهل الافلاس الأخلاقي.. فكيف ينشأ الافلاس الأخلاقي؟ وهنا لا نناقش الافلاس الأخلاقي المنبثق عن العمالة للعدو.
إن ميلاد الافلاس الأخلاقي يولد في حالة فقدان الثقافة والمعرفة الانسانية والعلم بالواقع والتاريخ ونواميسه واليقين بثوابت الدين والانسانية أو المصالح الحقيقية أي يتولد في حالة الفراغ المعرفي أو التشويه المعرفي، وهنا يصبح من المفهوم أن يتقدم الافلاس الأخلاقي ليملأ الفراغ، وفي مثل هذه الحال تنشأ المفاسد كلها من الكذب والتلفيق والحقد والشر ونوازع الشيطان جميعا.. فيكون وعي أولئك المثقفين “الدينيين” والعلمانيين مقيدا بمحدودية الرؤية وبالافلاس الأخلاقي ليقود قطاعات من الشباب والمجتمع إلى تصارع بين مكوناته بشكل سرطاني.
تتجلى أزمة الوعي في التعامل مع الذات ومع الأخر فهي من تجعل الفرد لا يفرق بين تحالف وتقاطع وتماهي واشتراك؟ أزمة الوعي هي التي تجعل الفرد يدعو لخراب بيته ويعيث بمحتوياته ولايعرف كيف يقوم بترتيب أولويات حياته ويسهم في ذلك انتقاما أو تخبطا أو رد فعل غير محسوب يعبر عن الجهل، وأزمة الوعي تمنع صاحبها من التمييز بين الأقدار وبين الوقائع من هو أكثرها شرا ومن هو الأقل وكيف تتم عملية الموازنات، فيرفض أن يستعين بالأقدار بعضها على بعضها لأنه لا يفهم سنن التغيير والانتصار، وأزمة الوعي تجعله لا يستطيع أن يفرق بين توصيف الواقع الذي ينبغي أن يكون توصيفا دقيقا ومتوازنا والموقف من الواقع الذي يجب أن يستند إلى معيار الحق والخير، فيختلط عليه الأمر، فيحرم نفسه من الرؤية العلمية للواقع والقدرة على تحليله، لأنه مسكون بموقف عدمي يحرمه من تأمل الأشياء وتدبرها وفهم حقيقتها، وهو لأنه يرفض الواقع يحرم نفسه من رؤيته كما هو.. وهنا نواجه حالة الجهل المسلح والانحراف المتعمد العنيف الذي يريد أن يحرمنا من احتمال خروجنا من أزماتنا والانتصار على الانهيار الذي يلحق بنا.
أزمة الوعي نطردها أو نحاصرها بمزيد من المقاومة الأخلاقية لنوازع الشيطان من العدوان على حقوق الناس في التعبير والحياة وبطرد الافتراء عليهم ورسم صور مشوهة باطلة ومحاصرة الأنانية والتحرر من التأله على الله وادعاء العصمة والصحة الحصرية.. ونطاردها ونحاصرها كذلك بمزيد من التعلم والقراءة والتأمل والاستماع للكبار ممن لديهم تجارب عمل وكفاح وخبرات مواجهة فإن الأمة زاخرة بمثل هؤلاء الرجال المحترمين وإن كان ضجيج المشاغبين المهرجين قد غطى على المشهد بطحالبه وفطرياته..
إن مئات الألاف من الشباب المسلمين الذين يتدافعون للقتال الأن في الداخل العربي لايمكن توصيفهم أنهم غير مسلمين، كما أنهم يظهرون من العزيمة والإرادة والإصرار الشيء الكثير، فأين نضعهم هم وكثير من قياداتهم الوسطى وبعض قياداتهم العليا؟؟ إننا نضعهم في خانة أسرى أزمة الوعي.. لهذا تصبح عمليات التنوير والتوعية والتركيز على الجوانب الأخلاقية في الخطاب والتحليل وتفسير الظواهر والبحث عن سبل الفهم وأدواته كل هذا من شأنه أن يصنع حاجزا أمام انهيار مجتمعاتنا بفعل أولئك المعتوهين من المتألهين على الله مدعي العصمة والصحة الحصرية..
أزمة وعي انشأها الجهل والافلاس الأخلاقي.. ينبغي أن نتصدى لها بالمعرفة والأخلاق لأن هذا هو السبيل ولاسبيل سواه.. تولانا الله برحمته