اقتصاد
ملفات مكدّسة بمحافظتي سطيف شمالا والعلمة تحوّل المرفق إلى متاهة إدارية

أزمة عقود بالآلاف تعطل المواطنين والموثقين والمستثمرين

سمير مخربش
  • 1692
  • 0
ح.م
تعبيرية

يفرض تراكم آلاف الملفات بالمحافظتين العقاريتين، سطيف شمالا، والعلمة، واقعا ثقيلا على المواطنين والموثقين والمستثمرين، بعد أن تجاوزت آجال تحرير وتسليم العقود في كثير من الحالات عدة سنوات، في وضع يصفه مهنيون بأنه من أخطر الاختلالات الإدارية ذات الانعكاس المباشر على الاقتصاد المحلي والوطني. فالعقد العقاري، الذي يفترض أن يكون وثيقة تنظيم للملكية وحماية للحقوق، تحوّل بالنسبة لكثير من العائلات إلى حلم مؤجل، وإجراء إداري بسيط إلى مسار طويل يستهلك الوقت والأعصاب ويجمّد الأموال.
تكشف المعطيات الميدانية المتداولة لدى مهنيين وشركاء عن وضع مقلق بمحافظة سطيف شمالا، حيث تشير تقديرات متطابقة من داخل القطاع إلى وجود ما يقارب 7000 عقد لم تُسلَّم لأصحابها، مع ملفات يعود تاريخها إلى سنة 2023، أو يزيد، لا تزال عالقة إلى اليوم. أما سنة 2025 وحدها، فتسجل، بحسب نفس المصادر، تأخرا في تحرير نحو 5000 عقد، ما يعكس فجوة زمنية آخذة في الاتساع بين تاريخ إيداع الملفات وتاريخ استلام الوثائق المشهرة. ويشتكي مواطنون من طول الانتظار وغياب معلومات دقيقة حول مآل ملفاتهم، فضلا عن ملاحظات متكررة بشأن ضعف تنظيم الأرشيف وترتيب الملفات، وهو ما يزيد من صعوبة التتبع ويعمّق شعور المعنيين بالضياع.

ملفات متراكمة فوق بعضها تكشف عمق الاختلال
ولا تبدو الصورة أفضل كثيرا بمحافظة العلمة، التي تعيش بدورها ضغطا كبيرا وتراكما لافتا في الملفات، خاصة ما تعلق بإشهار العقود وتسليمها لأصحابها. وترتبط هذه الوضعية، وفق متابعين للشأن العقاري، بسلسلة اضطرابات إدارية عرفتها المحافظة منذ سنة 2019، حين سُجّلت مخالفات كانت محل تحقيقات أمنية أُحيلت على العدالة، وانتهت بإدانة مسؤول سابق في إطار قضايا ذات صلة بتسيير الوثائق الرسمية.
وظلت المحافظة تتخبط في مرحلة انتقالية صعبة، تميّزت بعدم الاستقرار الإداري وتراكم الملفات دون معالجة بالوتيرة المطلوبة.
وبحسب إفادات متقاطعة من مهنيين، فإن الفترة التي تلت لم تشهد التحسن المنتظر، إذ لم ينجح المسؤول الذي عُيّن لاحقا في إحداث القفزة النوعية اللازمة، في ظل تحفظه على الإمضاء على عدد كبير من العقود، إلى جانب ظروف مهنية معقدة، ما انعكس مباشرة على وتيرة المعالجة. ومع تفاقم الوضع، أُسندت مهمة التسيير بالنيابة إلى مسؤول محافظة عين ولمان، بلقيدوم عيسى، الذي يشرف حاليا على محافظتين في آن واحد، في مهمة توصف بأنها شديدة الحساسية نظرا لحجم التراكمات.
وخلال زيارة ميدانية إلى مقر محافظة العلمة، وقفنا على رفوف ومكاتب مكتظة بملفات يعود بعضها إلى سنوات، في صورة تختزل حجم الأزمة. غير أن ما يُسجَّل في المقابل، بحسب موثقين، هو شروع الإدارة الحالية في عملية تصفية تدريجية للملفات، عبر رفع وتيرة دراسة العقود المتأخرة، ومحاولة إعادة تنظيم الأرشيف، حيث أعطت دفعا جديدا لمحافظة العلمة، ما سمح بتحريك عدد معتبر من الملفات العالقة.
ويؤكد موثقون أن ما يقوم به حاليا محافظ العلمة بالنيابة المعين حديثا حمل بوادر انفراج حقيقي، حيث قام بتحريك الملفات الراكدة بعد سنوات من الجمود، وهو ما خلق ارتياحا نسبيا لدى شريحة واسعة من المتعاملين.

نزاعات ميراث ومشاريع مجمدة…وخسائر للموثقين والخزينة العمومية
وبحسب الموثقين الناشطين بولاية سطيف، من الذين تحدثنا معهم، فإن هذا التأخر تجاوز الإطار الإداري البحت، ليصل إلى النسيج الاجتماعي ذاته. فتأخر العقود عطّل بيع مساكن وأراضٍ، وعرقل تسويات بين ورثة، وأبقى ممتلكات في وضع قانوني معلق، ما فجّر، بحسب شهادات مواطنين، نزاعات عائلية طويلة.
ويروي مهنيون حالة رب عائلة اضطر إلى عرض منزله للبيع من أجل تمويل عملية جراحية مكلفة لابنه، غير أن تعطل تحرير عقد الملكية حال دون إتمام الصفقة في الوقت المناسب، فتوفي ابنه ولم يتمكن من الحصول على العقد، في قصة مؤلمة تختصر البعد الإنساني للأزمة، بعيدا عن لغة الأرقام والإجراءات.
كما دفع الموثقون ثمن هذا الوضع، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع غضب المواطنين، رغم أن سبب التعطيل خارج عن نطاق صلاحياتهم. ويؤكد عدد منهم أن نشاطهم التوثيقي أصبح يسير بإيقاع بطيء، وأن ملفات كثيرة تبقى معلقة في انتظار الإشهار، ما يربك التزاماتهم المهنية ويؤثر على مصداقية الخدمة ككل. وينسحب الأثر نفسه على المستثمرين، خاصة أولئك المرتبطين بمشاريع عقارية أو صناعية تتطلب أوعية عقارية مضبوطة الوضعية القانونية، وهو ما يعتبره متابعون ضربة مباشرة لمناخ الاستثمار، في وقت تراهن فيه الدولة على تحريك العجلة الاقتصادية وتسهيل المبادرات.
في المقابل، تُظهر تجارب محافظات أخرى بالولاية أن الخروج من الأزمة ممكن، فمحافظة قجال، المعروفة سابقا بـ”سطيف ـ جنوبا”، تُقدَّم كنموذج إيجابي، بعد أن نجحت، بشهادة موثقين، في تقليص آجال تحرير العقود إلى حدود أسبوع أو بضعة أيام في بعض الحالات، بفضل تحسين التنظيم الداخلي وتسريع المسارات الإدارية. كما تُسجَّل مؤشرات إيجابية بمحافظة عين الكبيرة، التي تمكنت من التحكم في وتيرة المعالجة وأصبحت تسلم العقود في آجال معقولة، وفق شهادات شركاء القطاع.
ويربط مهنيون جزءا من الحل بتسريع وتيرة الرقمنة، إذ لا تزال العملية، رغم انطلاقها، دون المستوى المأمول على مستوى المرفقين المذكورين، مع استمرار الاعتماد الكبير على أرشيفات ورقية قديمة.
وتعمل المديرية الجهوية للمحافظة العقارية بسطيف، بحسب معطيات من داخل القطاع، على استكمال العمل على منصة “أملاك” كأداة لتسهيل إشهار العقود وتبادل المعطيات، غير أن الأثر الميداني الشامل لهذه الخطوة لا يزال ينتظر التعميم الفعلي وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكافية.
بعد سنوات من التراكمات التي مست بحقوق الأفراد ومصالح المؤسسات. وبين ضغط الملفات القديمة وتدفق الملفات الجديدة، يتوقف مستقبل هذا المرفق الحساس على القدرة على تثبيت الاستقرار الإداري وفرض الانضباط التنظيمي، وتسريع الرقمنة، حتى يعود العقد العقاري إلى وظيفته الطبيعية التي تجعل منه وثيقة أمان قانوني، لا معاناة مفتوحة بلا سقف زمني.

مقالات ذات صلة