أزمة منطقة الساحل.. عود ثقاب آخر يتربص بالجزائر
أضحت الجزائر بسبب القلاقل التي تخيّم على مشهد دول الجوار، إلى ما يشبه الجزيرة العائمة في محيط هائج تتقاذفها الأمواج من كل جانب، ويعتبر التدخل العسكري الدولي المرتقب في شمال مالي، وعدم صفاء العلاقات مع المغرب، من أخطر الملفات التي يتعيّن تفكيكها في هدوء.
فبعد الأزمة الليبية، جاءت تصريحات العاهل المغربي محمد السادس، بمناسبة الذكرى الـ37 لما تسمّيها الرباط “المسيرة الخضراء”، لتعمق شعور غياب الثقة بين البلدين الشقيقين، خاصة وأن هذه الخرجة تزامنت وتصاعد قلاقل جمة على الحدود الجنوبية، مع حشد القوى العظمى لجهودها من أجل تدويل أزمة مالي، والتي تبدو أكثر من مصطنعة.
وبرصد تطورات الواقع على الأرض، نجدها تؤشر على أن المستهدف الأول والأخير مما يحضر له إقليميا في المنطقة، هو الجزائر القارة المستقلة في قراراتها، التي استطاعت الخروج من أزمتها الأمنية المريرة، كما أخطأها ما يعرف بـ”الربيع العربي”، الذي هبّ على الكثير من الدول العربية بما فيها المجاورة، لكنها تبقى في عين الإعصار.
وحتى الجارة الوحيدة التي عبّرت في أكثر من مناسبة عن التزامها بمبدأ حسن الجوار، تونس، فإنها هي الأخرى تمر بمرحلة انتقالية صعبة، أضحت معها مهددة في استقرارها الداخلي، وفي مواجهة تداعيات ما بعد الثورة على نظام الديكتاتور الهارب، زين العابدين بن علي، ما يعني أن الحدود الشرقية للبلاد تبقى غير مستقرة.
بدورها، الحدود الجنوبية الشرقية المقابلة لليبيا، تعتبر هاجسا أيضا، ومراقبتها تشكل استنزافا لقدرات المؤسسة الأمنية والعسكرية، بسبب انتشار الآلاف من قطع السلاح من ثكنات القذافي، مع استمرار الأزمة الأمنية داخليا وبلوغها حد اللجوء إلى التصفيات الجسدية، فضلا عن موقف الجزائر الثابت منذ اندلاع الأزمة انطلاقا من مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير ورفض التدخل العسكري الأجنبي، وهو ما لم يهضمه الكثير من الساسة والنخبة في ليبيا.
والحال كذلك بالنسبة لأزمة منطقة الساحل، التي باتت الأخطر في ظل سعي القوى العظمى لإقحام الجزائر في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل..
ويقرأ الخبير في الاستراتيجيات، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، الدكتور أحمد عظيمي، في تصريحات الملك المغربي إزاء الجزائر، محاولة للتأثير على الموقف الجزائري بشأن قضية الصحراء الغربية التي تعتبر مصدر الخلاف بين البلدين.
وقال عظيمي، في اتصال مع “الشروق” إن “المغرب يسعى من خلال تصريحات عاهله للاستفادة من الأزمات التي تعيشها الدول المجاورة للجزائر، وتوظيفها في الضغط على الجزائر من أجل الحصول على تنازلات بخصوص قضية الصحراء الغربية”. وتابع المتحدث “المغرب ظل يراهن منذ منتصف السبعينيات على التغيّرات التي حدثت على رأس هرم السلطة في الجزائر، في حصول تطور ما في الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية، غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، لأن المسألة تتعلق بموقف دولة وليس موقف شخص بعينه“.
ويعتقد الدكتور أحمد عظيمي، أن السبل الكفيلة بتأمين حدود البلاد من الأطماع الخارجية ومواجهة التحديات الأمنية والأطماع المتعاظمة للقوى العالمية العظمى، تمر عبر إقدام السلطة على إصلاحات سياسية حقيقية، وقال “يجب على النظام أن يجنح لإصلاحات سياسية جذرية كفيلة بنقل البلاد إلى نظام ديمقراطي حقيقي، وبدون هذا الأمر، فالبلاد تبقى دوما مهددة ومحل أطماع الطامعين”.
وأوضح الخبير في الاستراتيجيات أن القوى العظمى عادة ما تتفادى الصدام مع الدول التي تكون الأنظمة فيها ديمقراطية، وقال “الدول الغربية لا تتآمر على الدول التي تستند سلطاتها إلى الشرعية الشعبية، يكون فيها التداول على السلطة بالطرق والأساليب الديمقراطية هي القاعدة”. وحذّر الخبير من تداعيات استمرار الوضع الداخلي الذي تعيشه البلاد، وقال “ما دام أن منطق تزوير الانتخابات والتلاعب بالإرادة الشعبية، وإبعاد الكفاءات الشابة عن تولي المسؤوليات، هو السائد فالبلاد ستبقى محل أطماع القوى العظمى إلى إشعار آخر“.