-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بين مرحب ومنتقد بعد عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية:

انقسامات حادة وسط الطبقة السياسية الفرنسية بسبب الجزائر

محمد مسلم
  • 193
  • 0
انقسامات حادة وسط الطبقة السياسية الفرنسية بسبب الجزائر
ح.م
تعبيرية

خلف التقارب الحاصل في العلاقات الجزائرية الفرنسية، حالة من الاستقطاب الحاد وسط الطبقة السياسية في فرنسا بين مرحب ومنتقد، في مشهد بات مألوفا، طالما أن كل طرف من هذه الأطراف يبلور مواقفه انطلاقا من خلفيته السياسية التي غالبا ما تكون مرجعيتها مسنودة إلى تراكمات الماضي المشترك بين البلدين، المليء بالجروح والمآسي.
وكما كان متوقعا، لقي هذا التقارب مباركة من قبل السياسيين ذوي التوجهات الوسطية واليسارية، في حين قوبل هذا التطور باستهجان ومعارضة من قبل الأوساط اليمينية واليمينية المتطرفة، التي لا تزال لم تستفق بعد من صدمة استقلال الجزائر، الذي يعني بالنسبة لهم هزيمة عسكرية وجيوسياسية يصعب هضمها.

شخصيات ثقيلة تدعم إنهاء الأزمة… واليمين المتطرف في معسكر التشويش

وخلال المحطة الثانية من زيارته الإفريقية، من العاصمة الكينية نيروبي، أعاد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التأكيد على أهمية المسار الذي باشره على صعيد العلاقات مع الجزائر، في رسالة موجهة للداخل الفرنسي ممثلا في الوجوه اليمينية واليمينية المتطرفة، الذين عبروا عن انتقادهم لما وصفوه خضوع ماكرون للجزائر، وشدد على أن باريس ترى ضرورة إقامة “علاقة هادئة (مع الجزائر) بعيدا عن المزايدات السياسية الداخلية”.
وفي السياق، ثمنت رئيسة جمعية فرنسا – الجزائر، سيغولان روايال، التوجه الجديد للعلاقات الثنائية بين البلدين، على ضوء عدة معطيات ومحطات تاريخية كأحداث الثامن ماي 1945.
وفي تصريح بثه وسائل إعلام مساء الأحد، دعت روايال الجانب الفرنسي إلى “التوقف عن وضع الشروط” والتحدث بمنطق موازين القوى، مؤكدة أنه “يتوجب التحدث على قدم المساواة مع هذا البلد العظيم، وهو الجزائر”.
وعادت روايال إلى زيارة البابا إلى الجزائر، مؤخرا، قائلة أنها “لعبت دورا مهما للغاية” في التوجه الفرنسي الحالي، مبرزة تحديدا “الطريقة التي استقبل بها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قداسة البابا، وكذا الطريقة التي تحدث بها البابا عن الشعب الجزائري وعن تاريخ الجزائر، حيث ذكر أمام مقام الشهيد بتاريخ الثامن ماي والمجازر التي وقعت في تلك الفترة”، وفق ما نقلته “واج”.
ومن هذا المنطلق، أعربت روايال عن يقينها بأن تلك الزيارة “جعلت السلطات الفرنسية تعيد التفكير في هذا الموضوع”.
وتابعت قائلة: “الأمر يدفعني لأن أقول أنه لا يمكننا أن نكون الوحيدين الذين يستمرون في إلقاء خطابات غير مقبولة في حق الجزائر وقادتها، لذا أنا أول من يهنئ نفسه على هذا التطور الايجابي”.
ومن ذات المنظور، قالت رئيسة جمعية فرنسا – الجزائر أنه “يجب المضي قدما في عدد من الملفات التي طالبت بها الجزائر منذ فتره طويلة، لا سيما قضية سجن موظف قنصلي دون محاكمة”.
كما أكدت ذات المتحدثة على أنه “يتعين على السلطات الفرنسية مراجعة هذا القرار الذي اتخذ في عهد وزير الداخلية السابق، برونو روتايو”، مشددة في نفس الوقت على ضرورة “المضي قدما في هذا الاتجاه بهدف استئناف العلاقات الاقتصادية الثنائية”، وذلك – كما قالت – في إطار “شراكة لاستعادة المكانة المتميزة بين البلدين ومن أجل “خلق شراكات رابح – رابح تسير في إطار ديناميكية اقتصادية متكافئة”، على حد تعبيرها.
ولم تتخلف شخصية بارزة في المشهد السياسي الفرنسي، في صورة دومينيك دوفيلبان، الوزير الأول الأسبق في عهد جاك شيراك، في تقديم دعمها للقرارات الفرنسية التي تنزع نحو التهدئة مع الجزائر، وقال دو فيلبان في حوار للقناة الإذاعية العمومية الفرنسية “فرانس إنتر”: “يجب أن نكون سعداء بهذا”.
وأشار على أن “الأمور بدأت تتحسن مجددا”، لأن الأمر يتعلق بـ”دولة محورية في المغرب العربي، والتعاون في هذه المجالات ضروري واستراتيجي للغاية لكلا البلدين”، كما انتقد وزير الداخلية السابق، ورئيس حزب “الجمهوريون”، برونو روتايو، الذي “لا يزال يتهم إيمانويل ماكرون بالاستسلام للجزائر، وهو الموقف الذي اعتبره غير مفيد بالنظر للمصالح المشتركة التي تربط البلدين، ولا يمكن أن يقود إلى أي نتيجة، وعلى الجميع أن يدركوا، كما قال، مدى أهمية “التعلم من الإخفاقات”.
بدوره عبر رئيس حزب فرنسا الأبية ذو التوجهات اليسارية، جون لوك ميلونشون، عن تأييده للموقف الذي اتخذه الرئيس الفرنسي بخصوص العلاقات مع الجزائر، وقال في تصريحات للقناة التلفزيونية الفرنسية الخاصة “آل سي إي”، إنه يقف على جانب التوجه الذي باشره ماكرون، والذي اعتبره ينطوي على “قدر من الذكاء والواقعية”، مقارنة بالنهج الذي حاول برونو روتايو فرضه على حكومة فرانسوا بايرو السابقة، والذي كان يهدف برأي ميلونشون، إلى “إعادة إشعال الحرب مع الجزائر”. كما شدد جون لوك ميلونشون على ضرورة مباشرة مباحثات مع الجزائر من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي حالة التوتر التي تطبع العلاقات الجزائرية الفرنسية على مدار السنوات الماضية.
وفي المقابل، تمترست وجوه سياسية معروفة بتوجهاتها اليمينية ضد التقارب مع الجزائر بالكيفية التي أرادها ماكرون، على غرار رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار فيليب، الذي أكد أنه “لن يقبل بأن تستمر فرنسا في منح الامتيازات لدولة لا تتوقف عن انتقاد فرنسا “.
كما استغل رئيس حزب “الجمهوريون” برونو روتايو، الفرصة ليهاجم سيد قصر الإيليزي، لاعتقاده بأن فرنسا باتت رهينة للابتزاز المرتبط بالذاكرة، ودعا سلطات بلاده إلى تبني سياسة توازن القوى، التي حاول فرضها عندما كان عضوا في الحكومة السابقة ولكنها باءت بالفشل.
بدوره جون فرانسوا كوبي، وهو من قيادات حزب “الجمهوريون” المحسوب على التيار اليميني التقليدي، الذي لم يهضم قيام الطرف الفرنسي بالخطوة الأولى من أجل إصلاح العلاقات مع الجزائر، وقال “كل المبادرات التي اتخذت لحد الآن كانت من الجانب الفرنسي، وأنتظر لأرى ما ستفعله الجزائر. لقد حان الوقت للنظر إلى الجزائر على حقيقتها، دولة كغيرها من الدول، لا توجد بيننا وبينها حسابات لتصفيتها أو لتقديمها.”
ومن خلال هذا السجال، يتضح أن ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية سيكون مادة دسمة في الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تجرى السنة المقبلة، والتي بدأت ساخنة منذ هذه الأيام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!