الرأي

أزمتنا أخلاقية قبل كل شيء..

حفيظ دراجي
  • 10675
  • 78

كل المشاعر والنعوت والتعاليق التي لمسناها وقرأناها وسمعناها عن المأساة والكارثة والصدمة والفتنة والمصيبة لا تكفي لوصف الألم والحسرة التي ألمت بنا إثر العمل الإجرامي الذي ذهب ضحيته الطفلان هارون وابراهيم في مدينة العلم قسنطينة واهتزت له مشاعر كل الجزائريين الذين استعادوا بالمناسبة ذكريات أليمة عشناها سنوات التسعينيات وعايشنا فيها الاختطافات والاغتيالات وكل أنواع الإجرام.. الواقعة ومثيلاتها من الاختطافات والاغتيالات وكل أنواع الجرائم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتكبة في حق الوطن تؤكد بأن أزمتنا الفعلية والحقيقة هي “أزمة أخلاقية” بامتياز على كل المستويات، أزمة تتحمل مسؤوليتها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمدرسة والمسجد، وسببها بعض الاختيارات التي انتهجناها منذ الاستقلال ولم نطرحها للنقاش، ولم نراجعها ونصححها، وكذا انتشار سياسة “اللاعقاب” واللامبالاة على كل المستويات..

في السياسة، انتشر الفساد وانعدمت الأخلاق وساد الجهل والنفاق والخداع والكذب والتهرب من المسؤولية، وفشلت الأحزاب السياسية في صناعة الرأي وحشد المؤيدين لمشاريعها، وافتقدنا الثقة في الساسة الذين يتفننون في صناعة الانقلابات والمكائد، ويتسابقون إلى التهليل والتطبيل من أجل الحفاظ على مواقعهم. 

في الاقتصاد، أزمتنا ليست في اعتمادنا على موارد النفط فقط، بل في سوء الأخلاق وانتشار النهب والسرقة والفساد والرشوة بسبب سوء التسيير لموارد وإمكانات لا تتوفر في الكثير من الدول حتى أننا صرنا نقرض صندوق النقد الدولي ملايير الدولارات ولا نستثمرها في جنوبنا ليستفيد بها أبناؤنا ونساهم في خلق الثروة وتوفير العيش الكريم.   

في الرياضة، مشكلتنا ليست فقط في غياب الاستراتيجية ونقص المرافق، بل في استفحال الحقد والكراهية وسوء أخلاق المسيرين والمدربين والرياضيين وبعض من جماهيرنا التي راحت ضحية صراعات هامشية بين أجيال لا تعرف قدرها، أجيال تستغل مشاعر الناس وعواطفهم لتصفية حساباتها أو العودة إلى الواجهة عوض مرافقة الجيل الصاعد وتشجيعه.. بعض صحافتنا تمارس الابتزاز والافتراء والكذب وتسمح لنفسها بتصنيف الناس بين مؤيد ومعارض ووطني وخائن، والصحافيون يعانون من نقص التكوين والتأهيل وضعف الرواتب والحوافز.. أما قنواتنا التلفزيونية الخاصة فهي تائهة غريبة في وطنها بلا قوانين ولا ضوابط في وقت تتراجع القنوات العمومية وتنهار.  

في حياتنا اليومية يلهث بعضنا وراء لقمة العيش والحياة الكريمة، والبعض الآخر يزداد غنى وينهب ويسرق ويقاوم من أجل بقاء الحال على ما هو عليه، والأخطر هم أولئك الذين يتحينون الفرص لإشعال نار الفتنة في الجنوب ومنطقة القبائل، وبين جزائريي الشرق والغرب، وجماهير الكرة، وفي الأوساط الرياضية في ظل صمت رهيب تتحالف فيه قوى الشر ضد الخير وضد الوطن.. 

إن أبناءنا وبناتنا وعائلاتنا في كل الجزائر لم يعودوا بحاجة إلى مناصب شغل ومساكن ومرافق بقدر ما يحتاجون إلى مرافقتهم اجتماعيا وثقافيا وتربويا، وتوعيتهم وتثقيفهم ومصارحتهم ومحاورتهم، وبحاجة إلى قلب يحكمهم وليس عقلا يتحكم فيهم، وإلى تنشئتهم على تقديس العلم والجهد واحترام الناس بأفعالهم وكفاءاتهم، وليس بنسبهم وانتمائهم أو بجاههم ومالهم.. وعندما نرافق أبناءنا ونوفر لهم العيش الكريم وتكافؤ الفرص ونزودهم بما يلزمهم دينيا وفكريا وثقافيا وعلميا ستزول الأحقاد وكل الآفات التي نعاني منها. 

مقالات ذات صلة